عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

147

اللباب في علوم الكتاب

فصل في المراد من الآية معنى الآية فيكشف الضّرّ الذي من أجله دعوتم إن شاء ، وهذه الآية تدلّ على أنه - تعالى - قد يجيب الدّعاء إن شاء ، وقد لا يجيبه . فإن قيل : قوله : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] يفيد الجزم بالإجابة ، وهاهنا علّق الإجابة على المشيئة ، فكيف يجمع بين الآيتين ؟ فالجواب أن يقال : تارة يجزم سبحانه بالإجابة ، وتارة لا يجيب إمّا بحسب المشيئة كما يقول أهل السّنّة ، أو بحسب رعاية المصلحة كما يقول المعتزلة ، ولمّا كان كلا الأمرين حاصلا لا جرم وردت الآيتين على هذين الوجهين « 1 » . فصل في أن أصل الدين هو الحجة وهذه الآية من أقوى الدّلائل على أن أصل الدين هو الحجّة والدليل ، لا يخصّ التقليد ؛ لأنه - تعالى - كان يقول لعبدة الأوثان إذا كنتم ترجعون عند نزول الشدائد إلى اللّه لا إلى الأصنام والأوثان ، فلم تقدمون على الأصنام التي لا تنتفعون بعبادتها ألبتّة ، وهذا الكلام إنما يفيد لو كان ذكر الدّليل والحجّة مقبولا ، أمّا لو كان مردودا وكان الواجب التقليد كان هذا الكلام ساقطا . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 42 إلى 43 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ( 42 ) فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 43 ) في الكلام حذف تقديره : « أرسلنا رسلا إلى أمم فكذبوا فأخذناهم » وهذا الحذف ظاهر جدا . و « من قبلك » متعلّق ب « أرسلنا » ، وفي جعله صفة ل « أمم » كلام تقدّم مرارا ، وتقدّم تفسير الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ [ البقرة : 177 ] ولم يلفظ لهما بمذكر على « أفعل » . قوله : فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا . « إذ » منصوب ب « تضرّعوا » فصل به بين حرف التحضيض وما دخل عليه ، وهو جائز حتى في المفعول به ، تقول : « لولا زيدا ضربت » ، وتقدّم أن حرف التّحضيض مع الماضي يكون معناه التّوبيخ ، والتّضرّع : « تفعّل » من الضّراعة ؛ وهي الذّلّة والهيبة المسببة عن الانقياد إلى الطاعة ، يقال : « ضرع يضرع ضراعة فهو ضارع وضرع » . قال الشاعر : [ الطويل ]

--> ( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 12 / 184 .