عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
143
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » جوابه محذوف لدلالة الكلام عليه ، وكذلك معمول « صادقين » ، والتقدير : إن كنتم صادقين في دعواكم أنّ غير اللّه إله ، فهل تدعونه لكشف ما يحلّ بكم من العذاب ؟ فصل في المراد من الآية معنى الآية : قال ابن عبّاس : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : أرأيتكم إن أتاكم عذاب اللّه قبل الموت ، أرأيتكم السّاعة يعنى العذاب يوم القيامة ، أترجعون إلى غير اللّه في دفع البلاء والضّرّ ، أو ترجعون إلى اللّه في دفع البلاء والمحنة لا إلى الأصنام والأوثان « 1 » ، وأراد أن الكفّار يدعون اللّه في أحوال الاضطرار كما أخبر اللّه عنهم وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ لقمان : 32 ] لا جرم قال : « بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ » « بل » حرف إضراب وانتقال ، لا إبطال لما عرف غير مرّة من أنها في كلام اللّه كذلك ، و « إيّاه » مفعول مقدّم للاختصاص عند الزمخشري « 2 » ، ولذلك قال : بل تخصّونه بالدّعاء ، وعند غيره للاعتناء ، وإن كان ثمّ حصر واختصاص فمن قرينة أخرى ، و « إياه » ضمير منصوب منفصل تقدّم الكلام عليه في « الفاتحة » « 3 » . وقال ابن عطية « 4 » : « هنا « إيّا » اسم مضمر أجري مجرى المظهرات في أنه مضاف أبدا » . قال أبو حيان « 5 » : وهذا خلاف مذهب سيبويه « 6 » أن ما بعد « إيّا » حرف يبيّن أحوال الضمير ، وليس مضافا لما بعده لئلا يلزم تعريف الإضافة ، وذلك يستدعي تنكيره ، والضّمائر لا تقبل التنكير فلا تقبل الإضافة . قوله : « ما تدعون » يجوز في « ما » أربعة أوجه : أظهرها : أنها موصولة بمعنى « الذي » ، أي : فيكشف الذي تدعون ، والعائد محذوف لاستكمال الشروط ، أي : تدعونه . الثاني : أنها ظرفيّة ، قاله ابن عطية « 7 » ، وعلى هذا فيكون مفعول « يكشف » محذوفا تقديره : فيكشف العذاب مدّة دعائكم ، أي : ما دمتم داعينه وقال أبو حيّان « 8 » : وهذا ما لا حاجة إليه مع أنّ فيه وصلها بمضارع ، وهو قليل جدا تقول : « لا أكلّمك ما طلعت الشمس » ، ويضعف : « ما تطلع الشمس » .
--> ( 1 ) ذكره الرازي في « التفسير الكبير » ( 12 / 184 ) عن ابن عباس . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 22 . ( 3 ) آية 5 . ( 4 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 291 . ( 5 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 132 . ( 6 ) ينظر : الكتاب 1 / 380 . ( 7 ) المحرر الوجيز 2 / 291 . ( 8 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 132 .