عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

132

اللباب في علوم الكتاب

الواحد تختلف تعديته باختلاف متعلّقه ، تقول : دخلت الدّار ، ودخلت في الأمر ، ولا تقول : دخلت الأمر ، فإذا كان ذلك في اللّفظ الواحد فما بالك بلفظين ؟ ولم يحفظ عن العرب تعدية « شاء » بالباء ، وإن كانت في معنى أراد . فصل في أنّ الهداية والضلال من اللّه تعالى احتج أهل السّنّة بهذه الآية على أن الهدى والضلال ليسا إلّا من اللّه - تعالى - لتصريح الآية بذلك . وأجاب المعتزلة عن ذلك بوجوه : الأول : قال الجبّائي « 1 » : معناه أنّه - تعالى - يجعلهم صمّا وبكما وعميا يوم القيامة عند الحشر ، ويكونون كذلك في الحقيقة بأن يجعلهم في الآخرة صمّا وبكما في الظلمات ويضلهم بذلك عن الجنّة ، وعن طريقها ، ويصيرهم إلى النار ، وأكّد القاضي هذا بأنه - تعالى - بيّن في باقي الآيات أنه يحشرهم على وجوههم عميا وبكما وصمّا مأواهم جهنّم . الثاني : قال الجبائي « 2 » أيضا : ويحتمل أنهم يكونون كذلك في الدنيا ، فيكون توسّعا من حيث أنهم جعلوا بتكذيبهم بآيات اللّه في الظلمات لا يهتدون إلى منافع الدنيا فشبّههم من هذا الوجه بهم وأجرى عليهم مثل صفاتهم على سبيل التّشبيه . الثالث : قال الكعبي « 3 » : قوله : « صُمٌّ وَبُكْمٌ » قائم على الشّتم والإهانة ، لا على أنهم كانوا كذلك في الحقيقة . أمّا قوله : مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ فقال الكعبي « 4 » : ليس هذا على سبيل المجاز لأنه - تعالى - وإن أجمل القول فيه هاهنا فقد فسّره في سائر الآيات ، وهو قوله : وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [ إبراهيم : 27 ] وقوله : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [ البقرة : 26 ] . وقوله : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [ محمد : 17 ] ، وقوله تعالى : يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ [ المائدة : 16 ] . وقوله : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [ إبراهيم : 27 ] وقوله : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] . فثبت بهذه الآيات أن مشيئة الهدى والضلال ، وإن كانت مجملة في هذه الآية ، إلّا أنها [ مخصصة ] « 5 » مفصلة في سائر الآيات ، فيحمل هذا المجمل على تلك المفصّلات . ثم إن المعتزلة ذكروا في تأويل هذه الآية وجوها :

--> ( 1 ) ينظر : الرازي 12 / 182 . ( 2 ) ينظر : الرازي 12 / 182 . ( 3 ) ينظر : المصدر السابق . ( 4 ) ينظر : المصدر السابق . ( 5 ) سقط في أ .