عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
88
اللباب في علوم الكتاب
الثاني : أن أمة موسى كانوا إذا أرادوا التقرّب إلى اللّه تعالى بأموالهم ، كانت تجيء نار من السّماء فتحرقها ، فلما طلب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم منهم بذل المال في سبيل اللّه قالوا له : لو كنت نبيا لما طلبت الأموال لهذا الغرض ؛ فإنه - تعالى - ليس بفقير حتّى يحتاج - في إصلاح دينه - إلى أموالنا ، فلو كان يطلب أموالنا لجاءت نار من السماء فتحرقها ، فلما لم تفعل ذلك عرفنا أنك لست بنبيّ . قوله : قالُوا إِنَّ العامل في « إنّ » هو « قالوا » ف « إنّ » وما في حيّزها منصوب المحل ب « قالوا » لا بالقول ، وأجاز أبو البقاء أن تكون المسألة من باب التنازع ، أعني بين المصدر ، وهو « قول » وبين الفعل وهو « قالوا » تنازعا في « إنّ » وما في حيّزها ، قال : « ويجوز أن يكون معمولا ل « قول » المضاف ؛ لأنه مصدر ، وهذا يخرّج على قول الكوفيين في إعمال الأول ، وهو قول ضعيف ، ويزداد هنا ضعفا بأنّ الثاني فعل ، والأول مصدر ، وإعمال الفعل أقوى » . وظاهر كلامه أن المسألة من التنازع ، وإنما الضعف عنده من جهة إعمال الأول ، فلو قدّرنا إعمال الثاني لكان ينبغي أن يجوز عنده ، لكنه يمنع من ذلك مانع آخر ، وهو أنه إذا احتاج الثاني إلى ضمير المتنازع فيه أخذه ، ولا يجوز حذفه ، وهو - هنا - غير مذكور ، فدلّ على أنها ليست عنده من التنازع إلا على قول الكوفيين ، وهو ضعيف كما ذكر . وانظر كيف أكّدوا الجملة المشتملة على ما أسندوه إليه - تعالى - وإلى عدم ذلك فيما أسندوه لأنفسهم كأنه عند الناس أمر معروف . فصل قال الحسن ومجاهد : لما نزل قوله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً « 1 » [ البقرة : 24 ] . قالت اليهود : إنّ اللّه فقير يستقرض منا ، ونحن أغنياء . وذكر الحسن أنّ قائل هذه المقالة هو حييّ بن أخطب . وقال عكرمة والسدّيّ ومقاتل ومحمد بن إسحاق : كتب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع أبي بكر الصديق إلى يهود بني قينقاع ؛ يدعوهم إلى الإسلام ، وإلى إقام الصلاة ، وإيتاء الزّكاة ، وأن يقرضوا اللّه قرضا حسنا ، فدخل أبو بكر - ذات يوم - بيت مدراسهم ، فوجد كثيرا من اليهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم ، يقال له : فنحاص بن عازوراء ، وكان من علمائهم ، ومعه حبر آخر ، يقال له : أشيع ، فقال أبو بكر لفنحاص : اتّق اللّه وأسلم ؛ فو اللّه إنك لتعلم أن محمدا رسول اللّه ، قد جاءكم بالحق من عند اللّه ، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة ، فآمن وصدّق ، وأقرض اللّه قرضا حسنا يدخلك الجنّة ، ويضاعف لك الثّواب ،
--> ( 1 ) تقدم .