عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
89
اللباب في علوم الكتاب
فقال فنحاص : يا أبا بكر ، تزعم أن ربنا يستقرض من أموالنا ، وما يستقرض إلا الفقير من الغنيّ ، فإن كان ما تقول حقا فإن اللّه - إذن - فقير ونحن أغنياء ، وأنه ينهاكم عن الرّبا ويعطينا ، ولو كان غنيا ما أعطانا الربا - يعني في قوله : فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [ البقرة : 245 ] فغضب أبو بكر ، وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة ، وقال : والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدوّ اللّه . فذهب فنحاص إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا محمد ، انظر ما صنع بي صاحبك . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يا أبا بكر ، ما حملك على ما صنعت ؟ قال يا رسول اللّه ، إن عدوّ اللّه قال قولا عظيما ، زعم أن اللّه فقير وهم أغنياء ، فغضبت للّه ، وضربت وجهه ، فجحد ذلك فنحاص ، فأنزل اللّه - عز وجل - هذه الآية ردّا على فنحاص ، وتصديقا لأبي بكر « 1 » . فصل [ في بيان ظاهر الآية ] واعلم أنّ ظاهر الآية يدل على أن قائل هذا القول كانوا جماعة ؛ لقوله تعالى : الَّذِينَ قالُوا وأما ما روي عن فنحاص فلا يدل على أن غيره لم يقل ذلك ، والكتاب يشهد بأن القائلين جماعة ، فيجب القطع بذلك . قوله : سَنَكْتُبُ قرأ حمزة بالياء ، مبنيا لما لم يسمّ فاعله « 2 » ، و « ما » وصلتها قائم مقام الفاعل ، و « قتلهم » - بالرفع - عطفا على الموصول ، و « يقول » - بياء الغيبة - والمعنى : سيحفظ عليهم . والباقون بالنون للمتكلم العظيم ، ف « ما » منصوبة المحل ، و « قتلهم » بالنصب عطفا عليها ، و « نقول » بالنون - أيضا - والمعنى : سنأمر الحفظة بالكتابة . وقرأ طلحة بن مصرّف « ستكتب » - بتاء التأنيث « 3 » - على تأويل « ما قالوا » ب « مقالتهم » . وقرأ ابن مسعود - وكذلك هي في مصحفه - سنكتب ما يقولون « 4 » ويقال . والحسن والأعرج « سيكتب » - بالغيبة - « 5 » مبنيا للفاعل ، أي : اللّه تعالى ، أو الملك . و « ما » - في جميع ذلك - يجوز أن تكون موصولة اسمية - وهو الظاهر - وحذف العائد لاستكمال شروط الحذف ، تقديره : سنكتب الذي يقولونه - ويجوز أن تكون مصدرية ، أي : قولهم - ويراد به - إذ ذاك - المفعول به ، أي : مقولهم ، كقولهم : ضرب الأمير .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 441 - 442 ) عن ابن عباس وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 186 ) وزاد نسبته لابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم . والخبر في « السيرة النبوية » لابن هشام ( 2 / 207 - 208 ) . ( 2 ) انظر : السبعة 220 - 221 ، والحجة 3 / 115 ، وحجة القراءات 184 ، والعنوان 82 ، وإعراب القراءات 1 / 124 ، وشرح الطيبة 4 / 180 ، وشرح شعلة 328 ، وإتحاف 1 / 496 . ( 3 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 548 ، والبحر المحيط 3 / 136 ، والدر المصون 2 / 273 . ( 4 ) انظر : السابق . ( 5 ) انظر البحر المحيط 3 / 136 ، والدر المصون 2 / 273 ، وإتحاف 1 / 496 .