عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

81

اللباب في علوم الكتاب

فصل [ في معنى الآية ] فصل ومعنى الآية : حتى يميز المنافق من المخلص ، وقد ميّزهم يوم أحد ؛ حيث أظهروا النفاق ، وتخلّفوا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فإن قيل : إنّ التمييز إن ظهر وانكشف ، فقد ظهر كفر المنافقين ، وظهور كفرهم ينفي كونهم منافقين ، وإن لم يظهر لم يحصل الوعد . فالجواب : أنه ظهر بحيث يفيد « 1 » الامتياز الظنّيّ ، لا الامتياز القطعيّ . قال قتادة : حتّى يميز المؤمن من الكافر بالهجرة والجهاد « 2 » . قال الضّحّاك : « ما كان اللّه ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه » في أصلاب الرّجال ، وأرحام النّساء ، يا معشر المنافقين ، حتّى يفرق بينكم وبين من في أصلابكم ، وأرحام نسائكم من المؤمنين « 3 » . وقيل : « حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ » وهو الذنب « من الطّيّب » وهو المؤمن ، يعني يحطّ الأوزار عن المؤمنين بما يصيبهم من نكبة ومحنة ومصيبة . وقيل : الخبيث : هو الكفر ، أذلّه اللّه وأخمده ، وأعلى الإسلام وأظهره ، فهذا هو التمييز . قوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ومعناه : أنه لا يجوز أن يطلعكم على أصل ذلك التمييز ، فيقول : إنّ فلانا منافق ، وإن فلانا مؤمن ؛ فإن سنّة اللّه جارية بأنه لا يطلع عوامّ الناس على غيبه ، ولا سبيل لكم إلى معرفة ذلك الامتياز إلا بالامتحانات ووقوع المحن والآفات - كما ذكرنا - وأما معرفة ذلك على سبيل الاطلاع على الغيب ، فذلك من خواصّ الأنبياء ، فلهذا قال : وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فيخصهم بإعلام أن هذا مؤمن ، وهذا منافق ، نظيره قوله تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 26 ، 27 ] . ويحتمل أن يكون المعنى : وما كان اللّه ليجعلكم كلّكم عالمين بالغيب كعلم الرسول ، فتنشغلوا عن الرسول ، بل اللّه يخص من يشاء من عباده ، ثم يكلّف الباقين طاعة هذا الرسول . قوله : وَلكِنَّ هذا استدراك من معنى الكلام المتقدم ؛ لأنه تعالى - لما قال : وَما

--> ( 1 ) في أ : يعتمد . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 425 ) عن قتادة وزاد نسبته السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 83 ) لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم . ( 3 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 4 / 184 ) عن الضحاك .