عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

82

اللباب في علوم الكتاب

كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ أوهم ذلك أنه لا يطلع أحدا على غيبه ؛ لعموم الخطاب - فاستدرك الرّسل . والمعنى : وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي أي يصطفي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فيطلعه على الغيب ، فهو ضدّ لما قبله في المعنى ، وقد تقدم أنها تقع بين ضدّين ونقيضين ، وفي الخلافين خلاف . يجتبي : يصطفي ويختار ، من : جبوت المال والماء ، وجبيتهما - لغتان - فالياء في يجتبي يحتمل أن تكون على أصلها ، ويحتمل أن تكون منقلبة عن واو ؛ لانكسار ما قبلها . ومفعول « يشاء » محذوف ، وينبغي أن يقدر ما يليق بالمعنى ، والتقدير : يشاء اطلاعه على الغيب . قوله : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني أن هذه الشبهة التي ذكرتموها في الطعن في نبوة محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - من وقوع الحوادث المكروهة في قصة أحد ، قد أجبنا عنها ، فلم يبق إلا أن تؤمنوا باللّه ورسله . وإنما قال : « ورسله » ولم يقل : ورسوله ؛ لأن الطريقة الموصلة إلى الإقرار بنبوّة الأنبياء ليس إلا المعجز ، وهو حاصل في حقّ محمّد - صلّى اللّه عليه وسلّم - فوجب الإقرار بنبوة كل الأنبياء ، فلهذا قال : « ورسله » لأن طريق إثبات نبوة جميع الأنبياء واحد ، فمن أقر بنبوة واحد لزمه الإقرار بنبوّة الكلّ ، ثم لمّا أمرهم بذلك وعدهم بالثواب فقال : « وإن تؤمنوا وتتّقوا فلكم أجر عظيم » . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 180 ] وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 180 ) لمّا حرّضهم على بذل النفس في الجهاد - فيما تقدم - حرضهم على بذل المال في الجهاد ، وبيّن الوعيد لمن يبخل . قرأ حمزة بالخطاب في « تحسبنّ » والباقون بالغيبة « 1 » فأما قراءة حمزة ف « الّذين » مفعول أول ، و « خيرا » هو المفعول الثّاني ، ولا بد من حذف مضاف ؛ ليصدق الخبر على المبتدأ ، وتقديره : ولا تحسبن بخل الّذين يبخلون . قال أبو البقاء : « وهو ضعيف ؛ لأن فيه إضمار البخل قبل ذكر ما يدل عليه » . وفيه نظر ؛ لأن دلالة المحذوف قد تكون متقدمة ، وقد تكون متأخرة ، وليس هذا من باب الإضمار في شيء ، حتّى يشترط فيه تقدّم ما يدل على ذلك الضمير . و « هو » فيه وجهان : الأول : أنه فصل بين مفعولي « يحسبنّ » .

--> ( 1 ) انظر : السبعة 219 - 220 ، والحجة 3 / 99 ، والعنوان 81 ، وحجة القراءات 183 ، وإعراب القراءات 1 / 124 ، وشرح الطيبة 4 / 176 ، وشرح شعلة 327 ، وإتحاف 1 / 495 .