عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
78
اللباب في علوم الكتاب
يجوز إظهارها . والفرق بينها وبين لام « كي » أن هذه - على المشهور - شرطها أن تكون بعد كون منفي ، ومنهم من يشترط مضي الكون ، ومنهم من لم يشترط الكون . وفي خبر « كان » - هنا - وما أشبهه قولان : أحدهما : قول البصريين - أنه محذوف ، وأن اللام مقوية لتعدية ذلك الخبر المقدّر لضعفه ، والتقدير : ما كان اللّه مريدا لأن يذر ، و « أن يذر » هو مفعول « مريدا » والتقدير : ما كان اللّه مريدا ترك المؤمنين . الثاني : - قول الكوفيين - أن اللام زائدة لتأكيد النفي ، وأن الفعل بعدها هو خبر
--> - وجوبا ، وشرطها : أن يكون قبلها كون ماض لفظا ، أو معنى ناقص منفي بلا أو بلم ، نحو : « ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ » ولم يكن زيد ليذهب ، ولا يكون النفي هنا ( بلن ) ولا « بلا » ولا ( بلما ) ولا ( بأن ) وذهب بعض النحويين إلى جواز ذلك في ظننت فتقول : ما ظننت زيدا ليضرب عمرا ، ولم أظن زيدا ليضرب عمرا ، وذكروا أن قول العرب لا كان زيد ليفعل ، وقد أجاز ذلك بعض أصحابنا ، ويحتاج إلى سماع ، ولا يجوز في نفي كان زيد سيفعل أن تقول : ما كان زيد يفعل فتسقط اللام ، وقد أجاز ذلك بعض النحويين على قلة ، فأما ما ورد من قولهم : ما كان زيد يفعل ، فإن يفعل أريد به الاستقبال ، ولما كانت أن مضمرة على مذهب البصريين ، وهي تنسبك منها مع الفعل مصدر مقدر جره بلام الجر عندهم أن يكون خبر كان هو المحذوف الذي يتعلق به اللام ، فيكون النفي متسلطا على ذلك الخبر المحذوف ، فينتفي بنفيه متعلقه ، فيقدرون « وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ » أي مريدا لإطلاعكم ، ويكون خبر كان ملتزما فيه الحذف في هذا التركيب ، ويدل على هذا المحذوف أنه قد سمع به مصرحا في قول الشاعر : سموت ولم تكن أهلا لتسمو لكن التصريح به في غاية الندور ، وفي البديع لمحمد بن مسعود القرني « وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ » لا يجوز لأن يضيع إلا بشرط أن يظهر خبر كان ، فتقول : ما كان اللّه مريدا لأن يضيع إيمانكم ، وذلك لأن المحذوفات من كلام المشهور إذا أريدها ، فالحق أن ترد كلها حتى يرجع إلى أصله ، أو تضمر كلها حتى يبقى الكلام على شهرته نحو : إياك والأسد ، فلا يجوز أن يرد بعضها ويضمر بعض لا تضمر إياك احفظ والأسد بل احفظ إياك واحذر الأسد انتهى . ولما كان ( أن ) مضمرة بعد اللام أجاز بعض النحويين من البصريين حذف اللام وإظهار ( أن ) نحو : ما كان زيد أن يقوم ، وقال ابن الأنباري : العرب تدخل ( أن ) في موضع لام الجحود فيقولون : ما كان عبد اللّه أن يظلمك ، ولم يكن محمد أن يختصمك قال : ولا موضع ( لأن ) من الإعراب لأنها أفادت ما أفادت اللام ، ولا يجوز ما كان عبد اللّه لأن يزورك بإظهار ( أن ) بعد اللام عند كوفي ولا بصري انتهى ، والصحيح أنه لا يكتفى ( بأن ) عن اللام ، وقد اضطرب في ذلك ابن عصفور فمرة أجاز ومرة منع ، ولما كانت اللام هي الناصبة عند الكوفيين ، كان الخبر هو نفس الفعل ، فالنفي متسلط عليه ، واللام عندهم زائدة لمجرد التوكيد ، فلذلك أجازوا أن يتقدم معمول الفعل المنصوب بها عليها ، نحو : ما كان زيد لأن يقوم ، على سبيل التأكيد ، وهذا مخالف لما حكى ابن الأنباري عن الكوفيين أنهم لا يجيزون ذلك ، ويتركب من قول ابن مالك مذهب لم يقل به أحد ، وذلك أنه زعم أن ( أن ) لازمة للإضمار ، وأن النصب بها ، وزعم أن الفعل بعد اللام هو الخبر لكان ، وليس هذا بقول بصري ولا كوفي ، وهذا الذي ذكرناه من خصوصية حرف النفي أو الفعل المنفي به هو المشهور والمتصور في لام الجحود ، وزعم بعضهم أنها تكون في كل فعل منفي تقدمه فعل نحو : ما جئت لتكرمني ، ومن جعل لام الجحود لام ( كي ) فساه ولا يجيء قبل ( لام ) الجحود اسم مفرد بل جملة بشروطها . الارتشاف 2 / 399 - 400 - 401 وانظر المقرب 1 / 262 .