عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

79

اللباب في علوم الكتاب

كان واللام عندهم هي العاملة النصب في الفعل بنفسها ، لا بإضمار « أن » والتقدير عندهم : ما كان اللّه ليذر المؤمنين . وضعّف أبو البقاء مذهب الكوفيين بأنّ النصب قد وجد بعد هذه اللام ، فإن كان النصب بها نفسها فليست زائدة ، وإن كان النصب بإضمار « أن » فسد من جهة المعنى لأن « أن » وما في حيزها بتأويل مصدر ، والخبر في باب « كان » هو الاسم في المعنى ، فيلزم أن يكون المصدر - الذي هو معنى من المعاني - صادقا على اسمها ، وهو محال . وجوابه : أما قوله : إن كان النصب بها فليست زائدة ممنوع ؛ لأن العمل لا يمنع الزيادة ، ألا ترى أنّ حروف الجرّ تزاد ، وهي عاملة وكذلك « أن » عند الأخفش ، و « كان » في قول الشاعر : [ الوافر ] 1700 - . . . * وجيران لنا كانوا كرام « 1 » كما تقدم تحقيقه و « يذر » فعل لا يتصرف - كيدع - استغناء عنه بتصرّف [ مرادفه ] « 2 » - وحذفت الواو من « يذر » من غير موجب تصريفي ، وإنما حملت على « يدع » لأنها بمعناها ، و « يدع » حذفت منه الواو لموجب ، وهو وقوع الواو بين ياء وكسرة مقدرة وأما الواو في « يذر » فوقعت بين ياء وفتحة أصلية . وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى : وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا [ البقرة : 287 ] . فصل [ في وجه النظم ] فصل وجه النظم : أن هذه الآية من بقية قصة أحد ، فأخبر - تعالى - أن الأحوال التي وقعت في تلك الحادثة - من القتل والهزيمة ، ثم دعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إياهم إلى الخروج إلى العدو مع ما كان بهم من الجراحات ، ثم دعاهم مرة أخرى إلى بدر الصّغرى ، لموعد أبي سفيان - دليل على امتياز المؤمنين من المنافقين ، فأخبر - تعالى - بأنه لا يجوز - في حكمته - أن يترككم على ما أنتم عليه من اختلاط المنافقين بكم ، وإظهارهم أنهم منكم - بل يجب في حكمته أن يميّز الخبيث - وهو المنافق - من الطيب - وهو المؤمن - . فصل في سبب النزول قال الكلبيّ : قالت قريش : يا محمد ، تزعم أن من خالفك ، فهو في النّار ، واللّه عليه غضبان ، وأن من اتبعك ، وهو على دينك ، فهو في الجنّة ، واللّه عنه راض . فأخبرنا بمن يؤمن بك ، ومن لا يؤمن ؛ فأنزل اللّه هذه الآية « 3 » . وقال السّديّ : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « عرضت عليّ أمّتي في صورتها في العلّيّين ، كما

--> ( 1 ) تقدم برقم 825 . ( 2 ) في أ : مراده . ( 3 ) ذكره أبو حيان في البحر المحيط 3 / 130 .