عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
509
اللباب في علوم الكتاب
وعن الثّاني : أنه يصحّ أن يقال : أصابني توفيق من اللّه ، وعون من اللّه ، وأصابه خذلان من اللّه ، ويكون المراد [ من ذلك التّوفيق والعون : تلك الطّاعة ، ومن الخذلان : تلك المعصية . وعن الثّالث : أن كل ] « 1 » ما كان منتفعا به فهو حسنة ، فإن كان نفعه في الآخرة ، فهو في الطّاعة ، وإن كان نفعه في الدّنيا فهو السّعادة الحاضرة ، فاسم الحسنة بالنّسبة إلى هذين القسمين متواطىء الاشتراك ، فزال السّؤال ، ويؤيد ذلك : أن البديهة قاطعة « 2 » بأنّ كل موجود ممكن لذاته ، مستند للحقّ بذاته وهو اللّه - تعالى - ، فلو استغنى الممكن بذاته [ عن الحقّ ] ، لزم نفي الصّانع ، وهذا الحكم لا يختلف كيف « 3 » كان الممكن ؛ حيوانا ، أو جمادا ، أو فعلا ، أو صفة ، وهذا برهان كالشّمس ، مصرّح بأن الكلّ من عند اللّه ؛ كما قال - تعالى - : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . قوله : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ . وقف أبو عمرو « 4 » والكسائي - بخلاف عنه - على « ما » في قوله : « فَما لِهؤُلاءِ » وفي قوله : ما لِهذَا الرَّسُولِ [ الفرقان : 7 ] وفي قوله : ما لِهذَا الْكِتابِ [ الكهف : 49 ] وفي قوله : فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا [ المعارج : 36 ] . والباقون : على اللام التي للجرّ دون مجرورها اتّباعا للرّسم ، وهذا ينبغي ألّا يجوز - أعني : الوقفين - لأنّ الأوّل يوقف فيه على المبتدأ دون خبره ، والثاني يوقف فيه على حرف الجرّ دون مجروره ، وإنما يجوز ذلك ؛ لضرورة قطع النّفس أو ابتلاء . قال الفرّاء « 5 » : كثرت في الكلام هذه الكلمة ، حتى توهّموا أنّ اللّام متصلة بها ، وأنّهما حرف واحد ، ففصلوا اللّام بما بعدها في بعضه ، ووصلوها في بعضه ، والقراءة الاتّصال ، ولا يجوز الوقف على اللام ؛ لأنّها لام خافضة . لمّا دل الدّليل على أن كلّ ما سوى اللّه مستند إلى اللّه ، وكان ذلك الدّليل في غاية الظّهور ، قال - تعالى - : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً وهذا يجري مجرى التّعجّب ؛ لعدم وقوفهم على صحّة هذا الكلام مع ظهوره . قالت المعتزلة : هذه الآية تدلّ على صحّة قولنا ؛ لأنه لو كان حصول الفهم والمعرفة بتخليق اللّه - تعالى - ، لم يبق لهذا التّعجّب معنى ألبتّة ؛ لأن السّبب في عدم حصول هذه المعرفة ، هو أن اللّه - تعالى - لم يخلق ذلك فيهم .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في ب : ناطقة . ( 3 ) في أ : كيفية . ( 4 ) ينظر : إتحاف 1 / 516 ، 517 ، والمحرر الوجيز 2 / 81 ، والبحر المحيط 3 / 312 ، والدر المصون 2 / 399 . ( 5 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 454 .