عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

510

اللباب في علوم الكتاب

وهذا تمسّك بطريقة المدح والذّمّ ؛ وهي « 1 » معارضة بالعلم والدّاعي . والمراد ب « لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ » : المنافقون واليهود ، « لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً » أي : قولا . وقيل : الحديث هاهنا : القرآن ، أي : لا يفقهون معاني القرآن ، والفقه : الفهم ، يقال : فقه بكسر القاف ؛ إذا فهم ، وفقه بفتح القاف : إذا غلب غيره ، وفقه بضمّ القاف ، ومنه ما قال عليه السّلام لابن عبّاس « اللّهمّ فقّهه في التّأويل » أي : فهّمه تأويله ، فعلى هذا التّأويل قالت المعتزلة : هذه الآية تقتضي وصف القرآن بأنّه حادث ، والحديث : فعيل بمعنى مفعول ، فيلزم منه أن يكون القرآن محدثا . والجواب : إن كان مرادكم بالقرآن هذه العبارات ، فنحن نسلّم كونها محدثة . قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 79 ] ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 79 ) في « ما » هذه قولان : أحدهما : قال أبو البقاء « 2 » : إنها شرطية ، وضعّف أن تكون موصولة قال : « ولا يحسن أن تكون بمعنى الذي ؛ لأنّ ذلك يقتضي أن يكون المصيب لهم ماضيا مخصّصا ، والمعنى على العموم والشّرطية أشبه ، والمراد بالآية : الخصب والجدب ، ولذلك لم يقل : ما أصبت » . انتهى ، يعني أنّ بعضهم يقول : إنّ المراد بالحسنة الطّاعة ، وبالسّيّئة المعصية ، ولو كان هذا مرادا ، لقال : « ما أصبت » ؛ لأنّه الفاعل للحسنة والسّيّئة جميعا ، فلا تضاف إليه إلا بفعله لهما . والثاني : أنها موصولة بمعنى الّذي ، وإليه ذهب « 3 » مكّي ، ومنع أن تكون شرطيّة ، قال : « وليست للشرط ؛ لأنّها نزلت في شيء بعينه ، وهو الجدب والخصب ، والشرط لا يكون إلا مبهما ، يجوز أن يقع وألّا يقع ، وإنّما دخلت الفاء للإبهام الّذي في « الّذي » مع أن صلته فعل ، فدلّ على أنّ الآية ليست في المعاصي والطّاعات كما قال أهل الزّيغ ، وأيضا فإنّ اللّفظ « ما أَصابَكَ » ، ولم يقل : « ما أصبت » . انتهى . والأوّل أظهر ؛ لأنّ الشرطية أصل في الإبهام كما ذكر أبو البقاء ، والموصولة فبالحمل عليها ، وقول مكيّ : « لأنها نزلت في شيء بعينه » هذا يقتضي ألّا يشبّه الموصول بالشرط ؛ لأنه لا يشبّه به حتّى يراد به الإبهام لا شيء بعينه ، وإلّا فمتى أريد به شيء بعينه ، لم يشبّه بالشّرط فلم تدخل الفاء في خبره ، نصّ النّحويّون على ذلك ، وفي المسألة

--> ( 1 ) في أ : وعلى . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 188 . ( 3 ) ينظر : المشكل 1 / 199 .