عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
500
اللباب في علوم الكتاب
قبل أن يهاجروا إلى المدينة ، ويلقون من « 1 » المشركين أذّى شديدا ، فيشكون ذلك إلى الرّسول ، ويقولون : ائذن لنا في قتالهم ، ويقول لهم الرّسول : كفّوا أيديكم ، فإني لم أومر بقتالهم ، واشتغلوا بإقامة دينكم من الصّلاة والزّكاة ، فلمّا هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة ، وأمر بقتالهم في وقعة بدر ، كرهه بعضهم وشقّ عليه ، فأنزل اللّه - تعالى - هذه الآية « 2 » . فذهب بعضهم إلى أنّها نزلت في المؤمنين ، واحتجّوا : بأنّ الّذين يحتاج الرّسول إلى أن يقول لهم كفّوا عن « 3 » القتال ، هم الرّاغبون في القتال ؛ وهم المؤمنون . ويمكن الجواب عنه : بأنّ المنافقين كانوا يظهرون أنّهم مؤمنون ، وأنّهم يريدون قتال الكفّار ، فلما أمر اللّه بقتالهم الكفّار ، أحجم المنافقون عنه ، وظهر منهم خلاف ما كانوا يقولونه . وقيل : نزلت في المنافقين ، واحتجّوا بأنّ اللّه - تعالى - وصفهم بأنّهم يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ، وهذا الوصف لا يليق إلا بالمنافق ؛ لأن المؤمن لا يخاف من النّاس أشدّ من خوفه من اللّه ، وأيضا قولهم : « ربنا لم كتبت علينا القتال » اعتراض على اللّه - تعالى - ، وذلك من صفة الكفّار والمنافقين ، وأيضا قوله - تعالى - للرّسول : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وهذا الكلام إنّما يذكر لمن كانت رغبته في الدّنيا أكثر من رغبته في الآخرة ، وذلك من صفات المنافقين . وأجاب القائلون بالقول الأوّل : بأن حبّ الحياة والنّفرة عن القتل من لوازم الطّبع ؛ فهذه الخشية محمولة على هذا المعنى ، وقولهم : « لم كتبت علينا القتال » محمولة على التمنّي بتخفيف التّكليف ، لا على وجه إنكار [ لإيجاب ] « 4 » اللّه - تعالى - . وقوله [ - تعالى - ] « 5 » : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ذكره ليهوّن على القلب أمر هذه الحياة ؛ لكي تزول عن قلبه نفرة القتال وحبّ الحياة ، ويقدمون على الجهاد بقلب قويّ ، لا لأجل الإنكار . وقيل : قاله جماعة من المؤمنين لم يكونوا راسخين في العلم ، قالوه خوفا وجبنا لا
--> ( 1 ) في ب : مع . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 8 / 549 - 550 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 328 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة مختصرا . ورواية الكلبي ذكرها القرطبي في « تفسيره » ( 5 / 181 ) والرازي في « التفسير الكبير » ( 10 / 247 ) . وأخرجه الحاكم ( 2 / 307 ) والطبري في « تفسيره » ( 8 / 549 ) والبيهقي ( 9 / 11 ) وابن أبي حاتم كما في « الدر المنثور » ( 2 / 328 ) عن ابن عباس مختصرا وفي آخره قال : إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم . فلما حوله اللّه إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا فأنزل اللّه : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وقال الحاكم : صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي . ( 3 ) في ب : كفوا أيدكم عن . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) سقط في أ .