عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

41

اللباب في علوم الكتاب

فصل [ في معنى « قاتلوا في سبيل اللّه أو ادفعوا » ] فصل معنى : قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا يعني : إن كان في قلوبكم حبّ الدين والإسلام فقاتلوا للدين والإسلام ، وإن لم تكونوا كذلك ، فقاتلوا دفعا عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم . وقال السّدّيّ ، وابن جريج : ادفعوا عنا العدو بتكثير سوادنا - إن لم تقاتلوا معنا - لأن الكثرة أحد أسباب الهيبة . وقوله : قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا إنما لم يأت - في هذه الجملة - بحرف عطف ؛ لأنها جواب لسؤال سائل كأنه قيل : فما قالوا - لما قيل لهم ذلك - ؟ فأجيب بأنهم قالوا ذلك . و « نعلم » - وإن كان مضارعا - معناه المضيّ ؛ لأن « لو » تخص المضارع ، إذا كانت لما سيقع لوقوع غيره ، ونكّر « قتالا » للتقليل ، أي : لو علمنا بعض قتال ما . وهذا جواب المنافقين حين قيل لهم : تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا فقال تعالى : هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ . « هم » مبتدأ ، و « أقرب » خبره ، وهو أفعل تفضيل ، و « للكفر » متعلق به ، وكذلك « للإيمان » . فإن قيل : لا يتعلق حرفا جر - متحدان لفظا ومعنى - بعامل واحد ، إلا أن يكون أحدهما معطوفا على الآخر ، أو بدلا منه ، فكيف تعلقا ب « أقرب » ؟ فالجواب : أن هذا خاصّ بأفعل التفضيل ، قالوا : لأنه في قوة عاملين ، فإنّ قولك زيد أفضل من عمرو ، معناه : يزيد فضله على فضل عمرو . وقال أبو البقاء : « وجاز أن يعمل « أقرب » فيهما ؛ لأنهما يشبهان الظرف ، وكما عمل « أطيب » في قولهم : هذا بسرا أطيب منه رطبا ، في الظرفين المقدرين لأن « أفعل » يدل على معنيين - على أصل الفعل وزيادته - فيعمل في كل واحد منهما بمعنى غير الآخر ، فتقديره : يزيد قربهم إلى الكفر على قربهم إلى الإيمان » . ولا حاجة إلى تشبيه الجارين بالظرفين ؛ لأن ظاهره أن المسوغ لتعلقهما بعامل واحد تشبيههما بالظرفين وليس كذلك ، وقوله : الظرفين المقدّرين ، يعني أن المعنى : هذا في أوان بسريته أطيب منه . و « أقرب » - هنا - من القرب - الذي هو ضد البعد - ويتعدى بثلاثة حروف : اللام ، و « إلى » و « من » . تقول : قربت لك ومنك وإليك ، فإذا قلت : زيد أقرب من العلم من عمرو ، ف « من » الأولى المعدية لأصل معنى القرب ، والثانية هي الجارة للمفضول ، وإذا تقرر هذا فلا حاجة إلى ادعاء أن اللام بمعنى « إلى » . و « يومئذ » متعلق ب « أقرب » وكذا « منهم » و « من » هذه هي الجارة للمفضول بعد « أفعل » وليست هي المعدية لأصل الفعل .