عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
42
اللباب في علوم الكتاب
ومعنى : هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ أنهم كانوا - قبل هذا الوقت - كاتمين للنفاق ، فكانوا في الظاهر أبعد من الكفر ، فلما ظهر منهم ما كانوا يكتمونه صاروا أقرب للكفر ؛ لأن رجوعهم عن معاونة المسلمين دلّ على أنهم ليسوا من المسلمين . وقيل : المعنى أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان ؛ لأن تقليلهم سواد المسلمين يؤدي إلى تقوية المشركين . و « إذ » مضافة لجملة محذوفة ، عوّض منها التنوين ، وتقدير هذه الجملة : هم للكفر يوم إذ قالوا : لو نعلم قتالا لاتبعناكم . وقيل : المعنى على حذف مضاف ، أي : هم لأهل الكفر أقرب منهم لأهل الإيمان ، وفضّلوا - هنا - على أنفسهم باعتبار حالين ووقتين ، ولولا ذلك لم يجز ، تقول : زيد قاعدا أفضل منه قائما ، أو زيد قاعدا اليوم أفضل منه قاعدا غدا . ولو قلت : زيد اليوم قاعدا أفضل منه اليوم قاعدا . لم يجز . وحكي النقاش - عن بعض المفسّرين - أن « أقرب » - هنا - ليست من معنى القرب - الذي هو ضد البعد - وإنما هي من القرب - بفتح القاف والراء - وهو طلب الماء ، ومنه قارب الماء ، وليلة القرب : ليلة الورود ، فالمعنى : هم أطلب للكفر ، وعلى هذا تتعين التعدية باللام - على حدّ قولك : زيد أضرب لعمرو . فصل [ في قول أكثر العلماء : هذا تنصيص من اللّه تعالى على أنهم كفار ] فصل قال أكثر العلماء : هذا تنصيص من اللّه تعالى على أنهم كفار . قال الحسن : إذا قال اللّه تعالى : « أقرب » فهو اليقين بأنهم مشركون ، وهو مثل قوله : مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [ الصافات : 147 ] فهذه الزيادة لا شك فيها ، وأيضا فالمكلّف لا يمكن أن ينفك عن الإيمان والكفر فلما دلّت الآية على القرب من الكفر لزم حصول الكفر . وقال الواحديّ - في « البسيط » : هذه الآية دليل على أن من أتى بكلمة التوحيد لم يكفر ، ولم يطلق القول بتكفيره ؛ لأنه - تعالى - لم يطلق القول بتكفيرهم - مع أنهم كانوا كافرين - لإظهارهم كلمة التوحيد . قوله : يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ في هذه الجملة وجهان : أحدهما : أنها مستأنفة ، لا محلّ لها من الإعراب . الثاني : أنها في محل نصب على الحال من الضمير في « أقرب » أي : قربوا للكفر قائلين هذه المقالة - وقوله : بِأَفْواهِهِمْ قيل : تأكيد ، كقوله : وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [ الأنعام : 38 ] . والظاهر أن القول يطلق على اللساني والنفساني ، فتقييده بقوله : بِأَفْواهِهِمْ تقييد لأحد محتمليه ، اللهم إلا أن يقال : إن إطلاقه على النفسانيّ مجاز ، قال