عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

37

اللباب في علوم الكتاب

قوله : قَدْ أَصَبْتُمْ في محل رفع ؛ صفة ل « مصيبة » . و « قلتم » - على مذهب سيبويه - جواب « لما » وعلى مذهب الفارسيّ ناصب لها على حسب ما تقدم من مذهبيهما . قوله : قُلْ هُوَ هذا الضمير راجع على « المصيبة » من حيث المعنى ، ويجوز أن يكون حذف مضاف مراعى - أي : سببها - وكذلك الإشارة لقوله : أَنَّى هذا لأن المراد المصيبة . فصل [ في وجه النظم ] فصل وجه النظم : أنه - تعالى - لما أخبر عن المنافقين بأنهم نسبوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى الغلول حكى عنهم شبهة أخرى في هذه الآية ، وهي قولهم : لو كان رسولا من عند اللّه لما انهزم عسكره من الكفار في يوم أحد ، وهو المراد من قولهم : أنى هذا ؟ وأجاب اللّه تعالى عنه بقوله : قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ أي : هذا الانهزام إنما حصل بشؤم عصيانكم . فصل [ في معنى الآية ] فصل ومعنى : قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها أن المشركين قتلوا من المسلمين - يوم أحد - سبعين ، وقتل المسلمون منهم - يوم بدر - سبعين ، وأسروا سبعين ، والأسير في حكم القتيل ؛ لأن الآسر يقتل أسيره إن أراد . قُلْتُمْ أَنَّى هذا : من أين لنا هذا القتل والهزيمة ، ونحن مسلمون ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فينا ؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ . روى عبيدة السّلماني عن علي قال : جاء جبريل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم بدر ، فقال : يا محمّد ، إن اللّه قد كره ما صنع قومك - من أخذهم الفداء من الأسارى - وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا الأسارى ، فتضرب أعناقهم ، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدّتهم ، فذكر ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للنّاس ، فقالوا : يا رسول اللّه ، عشائرنا ، وإخواننا ، لا ، بل نأخذ منهم الفداء ، فنتقوّى به على قتال العدو ، ونرضى أن يستشهد منا عدّتهم ، فقتل منهم - يوم أحد - سبعون ، عدد أسارى أهل بدر « 1 » ، فهذا معنى قوله : قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ أي : بأخذ الفداء ، واختياركم القتل . وقيل : إنما وقعتم في هذه المصيبة بشؤم معصيتكم في الأمور المتقدم ذكرها . فصل [ في استدلال المعتزلة على أن أفعال العبد غير مخلوقة للّه تعالى ] فصل استدل المعتزلة بقوله : قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ على أن أفعال العبد غير مخلوقة للّه تعالى من وجوه :

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 376 ) والترمذي وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 166 ) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وقال الترمذي : هذا حديث حسن .