عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

38

اللباب في علوم الكتاب

أحدها : أنه لو كان ذلك حاصلا بخلق اللّه تعالى - ولا تأثير للعبد فيه - كان قوله : هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ كذبا . ثانيها : أنهم تعجبوا كيف سلط اللّه الكافر على المؤمن ؟ فأزال اللّه ذلك التعجب بقوله : إنما وقعتم في هذا المكروه بشؤم فعلكم ، فلو كان خلقا للّه لم يصح الجواب . ثالثها : أن القوم قالوا : أَنَّى هذا أي : من أين هذا ؟ وهذا طلب لسبب الحدوث ، فلو لم يكن المحدث لها هو العبد لم يكن الجواب مطابقا للسؤال . وأجيبوا عن الأولين بالمعارضة بالآيات الدالة على كون أفعال العبد بإيجاد اللّه تعالى ، وعن الثالث بأنه لو كانوا هم الذين أوجدوا الفعل لم يحسن منهم السؤال عن سببه . ثم قال : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي : قادر على نصركم - لو صبرتم وثبتّم - كما قدر على التخلية - إذ خالفتم وعصيتم - وهذا يدل على أن فعل العبد مخلوق للّه تعالى ، قالوا : لأن فعل العبد شيء ، فيكون اللّه قادرا على إيجاده ، فلو أوجده العبد امتنع كونه - تعالى - قادرا على إيجاده ؛ لأنه لما أوجده العبد امتنع من اللّه إيجاده ، لأن إيجاد الموجود محال ، والمفضي إلى المحال محال . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 166 إلى 167 ] وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ( 166 ) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ ( 167 ) « ما » موصولة بمعنى الذي ، في محل رفع بالابتداء ، و « بإذن اللّه » الخبر ، وهو على إضمار مبتدأ ، تقديره : فهو بإذن اللّه ، ودخلت الفاء في الخبر ؛ لشبه المبتدأ بالشرط ، نحو : الذي يأتيني فله درهم ، وهذا - على ما قرره الجمهور - مشكل ؛ وذلك أنهم قرروا أنه لا يجوز دخول هذه الفاء زائدة في الخبر إلا بشروط . منها : أن تكون الصلة مستقبلة في المعنى ؛ وذلك لأن الفاء إنما دخلت للشّبه بالشّرط ، والشّرط إنما يكون في الاستقبال ، لا في الماضي ، لو قلت : الذي أتاني أمس فله درهم ، لم يصحّ ، « وأصابكم » - هنا - ماض في المعنى ؛ لأن القصة ماضية ، فكيف جاز دخول هذه الفاء ؟ أجابوا عنه بأنه يحمل على التبيّن - أي : وما تبين إصابته إياكم - كما تأولوا قوله : وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ [ يوسف : 26 ] - أي تبين - وهذا شرط صريح ، وإذا صحّ هذا التأويل فلنجعل « ما » - هنا - شرطا صريحا ، وتكون الفاء داخلة وجوبا ؛ لكونها واقعة جوابا للشرط .