عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

36

اللباب في علوم الكتاب

« لما » إليه ، وتقديره : أقلتم حين أصابتكم . و « أنى هذا » نصب ؛ لأنه مقول ، والهمزة للتقرير والتقريع . فإن قلت : علام عطفت الواو هذه الجملة ؟ قلت : على ما مضى من قصة أحد - من قوله : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ - ويجوز أن تكون معطوفة على محذوف ، [ كأنه قيل ] « 1 » : أفعلتم كذا ، وقلتم حينئذ كذا ؟ انتهى . أمّا جعله « لما » بمعنى « حين » - أي ظرفا - فهو مذهب الفارسيّ وقد تقدم تقرير المذهبين وأما قوله : « عطف على قصة أحد » فهذا غير مذهبه ، لأن الجاري من مذهبه إنما هو تقدير جملة ، يعطف ما بعد الواو عليها - أو الفاء ، أو « ثم » - كما قرره هو في الوجه الثاني . و « أنى هذا » « أنى » بمعنى من أين - كما تقدم في قوله : أَنَّى لَكِ هذا [ آل عمران : 37 ] - ويدل عليه قوله : مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ وقوله : مِنْ عِنْدِ اللَّهِ * قاله الزمخشري . ورد عليه أبو حيّان بأن الظرف إذا وقع خبرا للمبتدأ لا يقدّر داخلا عليه حرف جر ، غير « في » . أما أن يقدر داخلا عليه « من » فلا ؛ لأنه إنما انتصب على إسقاط « في » ولذلك إذا أضمر الظرف تعدى إليه الفعل بواسطة « في » إلا أن يتسع في الفعل فينصبه نصب التشبيه بالمفعول به ، فتقدير الزمخشريّ غير سائغ ، واستدلاله بقوله تعالى : مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ وقوله : مِنْ عِنْدِ اللَّهِ * وقوف مع مطابقة الجواب للسؤال في اللفظ ، وذهول عن هذه القاعدة التي ذكرناها . واختار أبو حيان أن « أنى » بمعنى « كيف » قال : و « أنى » سؤال عن الحال - هنا - ولا يناسب أن يكون - هنا - بمعنى « أين » أو « متى » لأن الاستفهام لم يقع عن المكان ، ولا عن الزمان ، إنما وقع عن الحال التي اقتضت لهم ذلك ، سألوا عنها على سبيل التعجّب - وجاء الجواب من حيث المعنى لا من حيث اللفظ - في قوله : قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ - والسؤال ب « أنى » سؤال عن تعيين كيفية حصول هذا الأمر ، والجواب بقوله : قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ يتضمن تعيين الكيفية ؛ لأنه بتعيين السبب تتعين الكيفية من حيث المعنى لو قيل - على سبيل التعجّب والإنكار - : كيف لا يحج زيد الصّالح ؟ وأجيب ذلك بأن يقال : لعدم استطاعته ، لحصل الجواب ، وانتظم من المعنى أنه لا يحج وهو غير مستطيع . قال شهاب الدين : « أما قوله : لا يقدّر الظرف بحرف جرّ غير « في » فالزمخشريّ لم يقدر « في » مع « أن » حتى يلزمه ما قال ، إنما جعل « أنى » بمنزلة « من أين » في المعنى . وأما عدوله عن الجواب المطابق لفظا فالعكس أولى » .

--> ( 1 ) في أ : تقديره .