عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
267
اللباب في علوم الكتاب
أحدهما : أنها منصوبان على المفعول من أجله أي لبهتانكم وإثمكم . قال الزمخشريّ « 1 » : فإن لم يكن عرضا كقولك : قعد عن القتال جبنا . وقيل : انتصب بنزع الخافض أي ببهتان . والثاني : أنّهما مصدران في موضع الحال ، وفي صاحبهما وجهان : أظهرهما : أنّه الفاعل في أتأخذونه أي : باهتين وآثمين . والثاني : أنّه المفعول أي : أتأخذونه مبهتا محيرا لشنعته ، وقبح الأحدوثة « 2 » عنه ، والتقدير : تصيبون في أخذه بهتانا « 3 » ، والبهتان فعلان من البهت ، وهو في اللغة : الكذب الذي يواجه به الإنسان صاحبه على وجه المكابرة ، وأصله من بهت الرّجل إذا تحيّر فالبهتان كذب يحير الإنسان لعظمه ثم جعل كلّ باطل يتحير من بطلانه بهتانا ، ومنه الحديث : « إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهتّه » ولقد تقدم الكلام عليه في البقرة . وفي تسمية هذا الأخذ « بهتانا » وجوه : أحدها : أنّه تعالى لما فرض لها ذلك المهر فأخذه ؛ كأنّه يقول : ليس ذلك بفرض فيكون بهتانا . وثانيها : أنّ العقد يستلزم مهرا وتكفل بالعقد تسليم ذلك المهر إليها وألا يأخذه منها ، فإذا أخذه منها ، صار ذلك القول الذي عقد به العقد بهتانا . وثالثها : أنا ذكرنا أنه كان من عادتهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة ، حتى تخاف وتشتري نفسها منه بذلك المهر ، فلما كان ذلك واقعا على هذا الوجه في الأغلب جعل كأنه أخذه بهتانا [ وإثما ] « 4 » . [ رابعها : أنّه عقاب البهتان والاثم المبين كأنّه كان معلوما عندهم مقولة « أتأخذونه بهتانا » ] « 5 » معناه أتأخذونه « 6 » عقاب البهتان فهو كقوله إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً « 7 » [ النساء : 10 ] . وقوله : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ تقدّم الكلام في كيف عند قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [ البقرة : 28 ] .
--> ( 1 ) ينظر : الكشاف 1 / 492 . ( 2 ) في ب : الأخذوية . ( 3 ) في ب : بهتا . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) سقط في ب . ( 6 ) في ب : أتأخذون . ( 7 ) ذكر الرازي في تفسيره هنا : أنه تعالى ذكر في الآية السابقة وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ والظاهر من حال المسلم : أنه لا يخالف أمر اللّه ، فإذا أخذ منها شيئا ، أشعر ذلك بأنها قد أتت بفاحشة مبينة ، فإذا لم يكن الأمر كذلك في الحقيقة ، صحّ وصف ذلك الأخذ بأنه بهتان . ينظر : تفسير الرازي 10 / 13 .