عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

268

اللباب في علوم الكتاب

قوله : وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ « 1 » الواو للحال ، والجملة بعدها : في محل نصب ، وأتى ب « قد » ليقرب الماضي من الحال ، وكذلك « أخذن » وقد مقدرة معه لتقدم ذكرها ، وأصل أفضى ذهب إلى فضاه أي ناحية سعته ، يقال : فضى يفضو فضوا ، وأفضى : عن ياء أصلها واو . وقال اللّيث : أفضى فلان إلى فلان أي : وصل إليه ، وأصله أنه صار في فضائه وفرجته . وقال غيره : أصل الإفضاء الوصول إلى الشيء من غير واسطة . وللمفسرين « 2 » في هذا الإفضاء قولان : أحدهما : قال ابن عباس ، ومجاهد ، والسدي أنّه كناية عن الجماع « 3 » وهو اختيار الزجاج ، وابن قتيبة ، ومذهب الشافعيّ ؛ لأنّ عنده أنّ الزوج إذا طلق قبل المسيس فله أن يرجع في نصف المهر ، وإن خلا بها . والثاني : أنّ الإفضاء هو الخلوة وإن لم يجامعها « 4 » . وقال الكلبي : الإفضاء أن يكون معها في لحاف واحد ، جامعها أو لم يجامعها ، وهذا اختيار الفراء ، ومذهب أبي حنيفة ؛ لأن الخلوة في الأنكحة الصحيحة تقرر المهر ، واستدلّوا على القول الأوّل بوجوه : أحدها : ما تقدّم عن الليث : أنه يصير في فرجته وفضائه ، وهذا المعنى إنّما يحصل في الحقيقة عند الجماع . وثانيها : أنه تعالى ذكر هذا في معرض التعجب فقال وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سببا قويا في حصول الألفة والمحبّة ، وذلك لا يحصل بمجرد الخلوة وإنّما يحصل بالجماع ، فيحمل عليه . وثالثها : أن الإفضاء إليها لا بد وأن يكون مفسرا بفعل منه ينتهي إليه ؛ لأن كلمة « إلى » لانتهاء الغاية ، ومجرد الخلوة ليس كذلك ؛ لأن عند الخلوة المحضة لم يصل كل واحد منهما إلى الآخر فامتنع تفسير قوله : أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ بمجرد الخلوة . وإن قيل : إذا اضطجعها في لحاف واحد ملامسا فقد حصل الإفضاء من بعضهم إلى بعض ؛ فوجب أن يكون ذلك كافيا وأنتم لا تقولون به .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 10 / 14 ، والمحرر الوجيز 2 / 30 ، والقرطبي 5 / 18 . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 8 / 126 ) عن ابن عباس ومجاهد والسدي . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 238 ) عن ابن عباس وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم . وذكره أيضا عن مجاهد ( 2 / 238 ) وعزاه لعبد بن حميد . ( 4 ) ذكره أبو الليث السمرقندي في « بحر العلوم » ( 1 / 342 ) عن الكلبي .