عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
244
اللباب في علوم الكتاب
واختلفوا في الإمساك في البيت هل كان حدا فنسخ أم كان حبسا ليظهر الحدّ ؟ على قولين : فقيل : هو توعد بالحد . وقال ابن عبّاس والحسن : إنّه « 1 » حدّ ، وزاد ابن زيد أنّهم منعوا من النّكاح حتّى يموتوا عقوبة لهم ، لأنّهم طلبوا النكاح من غير وجهه ، وهذا يدلّ على أنّه كان حدّا ، بل أشد غير أنّ ذلك الحكم ثابت محدود إلى غاية ، وهو الأذى في الآية الأخرى على اختلاف التأوليين في أيّهما قبل ، وكلاهما ممدود إلى غاية ، وهو قوله عليه السّلام : « خذوا عنّي خذوا عنّي قد جعل اللّه لهنّ سبيلا » الحديث وهذا كقوله تعالى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [ البقرة : 187 ] فإذا جاء اللّيل ارتفع حكم الصّيام إلى غايته لا لنسخه ، هذا قول المحقّقين المتأخّرين ، فإن النّسخ إنّما يكون بين القولين المتعارضين اللّذين لا يمكن الجمع بينهما والجمع ممكن بين الحبس والتّغريب والجلد والرّجم . وقد قال بعض العلماء : إن الأذى والتغريب « 2 » باق مع الجلد ؛ لأنّهما لا يتعارضان فيحملان على شخص واحد فأمّا الحبس فمنسوخ بالإجماع ، وإطلاق المتقدمين النّسخ على مثل هذا لا يجوز . [ وقيل : إن المراد بقوله تعالى : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا المراد أن يحبس كل من الرجل والمرأة في مكانه حتى يدركهن الأجل بالموت ، أو يتبين الحمل فيجري عليهما حينئذ القصاص انتهى . واللّه أعلم ] « 3 » . قوله تعالى : [ [ سورة النساء ( 4 ) : آية 16 ] وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً ( 16 ) ] « 4 » وَالَّذانِ الكلام عليه كالكلام على « اللاتي » إلّا أن في كلام أبي البقاء ما يوهم جواز الاشتغال فيه فإنه قال : الكلام في « اللذان » كالكلام في « اللاتي » إلّا أنّ من أجاز النّصب يصحّ أن يقدّر فعلا من جنس المذكور ، تقديره : آذوا اللذين ولا يجوز أن يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها هاهنا ، ولو عري من الضّمير ، لأنّ الفاء هنا في حكم الفاء الواقعة في جواب الشرط ، وتلك يقطع ما بعدها عما قبلها ، فقوله : « من أجاز النصب » يحتمل من أجاز النّصب المتقدّم في « اللاتي » بإضمار فعل لا على سبيل الاشتغال كما قدّره هو بنحو « اقصدوا » ويحتمل من أجاز النّصب على الاشتغال من حيث الجملة ، إلّا أن هذا بعيد ؛ لأنّ الآيتين من واد واحد ، فلا يظنّ به أنّه يمنع في إحداهما ويجيز في الأخرى ، ولا ينفع كون الآية الأولى فيها الفعل الذي يفسّر متعدّ بحرف جرّ والفعل الّذي في هذه
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 8 / 74 ) . ( 2 ) في ب : والتغير . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) سقط في ب .