عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

241

اللباب في علوم الكتاب

قال أبو مسلم « 1 » : يدلّ على صحّة ما ذكرنا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « إذا أتى الرّجل الرّجل فهما زانيان ، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان » . واحتجّوا على إبطال كلام أبي مسلم بوجوه : الأوّل : أنّ هذا قول لم يقله أحد من المفسّرين المتقدّمين . الثّاني : أنّه روي في الحديث أنّه عليه السّلام قال : « قد جعل اللّه لهنّ سبيلا الثّيّب ترجم والبكر تجلد » « 2 » وهذا يدلّ على أنّ هذه الآية نازلة في حقّ الزّناة . الثّالث : أنّ الصحابة اختلفوا في حكم اللّواط ، ولم يتمسّك أحد منهم بهذه الآية ، فعدم تمسكهم بها مع شدّة احتياجهم إلى نصّ يدلّ على هذا الحكم من أقوى الدّلائل على أنّ هذه الآية ليست في اللواطة . وأجاب أبو مسلم عن الأوّل بأنّ هذا الإجماع ممنوع ، فلقد قال بهذا القول مجاهد ، وهو من أكابر المفسرين ، وقد ثبت في أصول الفقه أنّ استنباط تأويل « 3 » جديد في الآية لم يذكره المتقدمون جائز . والجواب عن الثّاني أنّ هذا يفضي إلى نسخ القرآن بخبر الواحد ، وإنّه غير جائز . وعن الثّالث أن مطلوب الصّحابة أنّه هل يقام الحدّ على اللوطي ، وليس في هذه الآية دلالة على نفي ولا إثبات فلهذا لم يرجعوا إليها . فصل [ في المراد من قوله « من نسائكم » ] فصل المراد من قوله مِنْ نِسائِكُمْ أي : زوجاتكم لقوله : وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ [ المجادلة : 3 ] وقوله : فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [ النساء : 23 ] [ من نسائكم ] « 4 » وقيل : أي : من الثيب . وقوله : « فأمسكوهن » أي احبسوهنّ في بيوتكم ، والحكمة فيه أنّ المرأة إنّما تقع في الزّنا عند الخروج والبروز ، فإذا حبست في البيت لم تقدر على الزّنا ، وتعتاد العفاف عن الزّنا . قال عبادة بن الصّامت والحسن ومجاهد « 5 » : كان هذا في ابتداء الإسلام حتى نسخ بالأذى الّذي بعده ، ثمّ نسخ ذلك بالرّجم في الثيّب .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 9 / 187 . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 2 / 33 ) وأحمد ( 5 / 313 ) وأبو داود ( 4416 ) والترمذي ( 2 / 242 ) والدارمي ( 2 / 181 ) والبيهقي ( 8 / 221 - 22 ) والطبري في « تفسيره » ( 8 / 78 ) وابن الجارود في « المنتقى » ( 371 ) والطحاوي في « شرح معاني الآثار » ( 2 / 79 ) والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص 97 . عن عبادة بن الصامت . ( 3 ) في أ : بيان . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) ينظر : تفسير القرطبي 5 / 56 .