عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

242

اللباب في علوم الكتاب

وقيل : بل كان الإيذاء أولا ثمّ نسخ بالإمساك ، ولكنّ التلاوة أخرت . وقال ابن فورك : هذا الإمساك والحبس في البيوت كان في صدر الإسلام قبل أن يكثر الجناة . فلما كثروا وخشي قوتهم اتخذوا لهم سجنا ، قاله ابن العربي « 1 » فإن قيل : التوفي والموت بمعنى واحد ، فيصير التّقدير : أو يميتهن الموت . فالجواب ، يجوز أن يريد يتوفاهن ملائكة الموت لقوله الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي [ النحل : 28 ] أو حتّى يأخذهن الموت . فإن قيل : إنكم تفسّرون قوله تعالى : أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الثّيّب ترجم والبكر تجلد ، وهذا بعيد ؛ لأنّ هذا السبيل عليها لا لها ، فإنّ الرّجم أغلظ من الحبس . فالجواب : أنّ النّبي - عليه السّلام - فسر السّبيل بذلك في قوله : « خذوا عني خذوا عني قد جعل اللّه لهن سبيلا ، الثّيّب بالثّيب جلد مائة ورجم بالحجارة ، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام » فلما فسّر الرسول عليه السّلام السبيل بذلك وجب القطع بصحّته . وأيضا فله وجه في اللّغة ، لأنّ المخلص من الشّيء هو سبيله ، سواء كان أخفّ أو أثقل . قوله : « حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ » « حتّى » بمعنى « إلى » فالفعل بعدها منصوب بإضمار « أن » وهي متعلقة بقوله « فَأَمْسِكُوهُنَّ » غاية له . وقوله : أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ فيه وجهان : أحدهما : أن تكون « أو » عاطفة ، فيكون الجعل غاية لإمساكهن أيضا ، فينتصب « يجعل » بالعطف على يَتَوَفَّاهُنَّ . والثّاني : أن تكون « أو » بمعنى « إلّا » كالّتي في قولهم : « لألزمنك أو تقضيني حقي » على أحد المعنيين ، والفعل بعدها منصوب أيضا بإضمار « أن » كقوله : [ الطويل ] 1770 - فسر في بلاد اللّه والتمس الغنى * تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا « 2 » أي : إلا أن تموت ، والفرق بين هذا الوجه والّذي قبله أنّ الجعل ليس غاية لإمساكهنّ في البيوت . قوله : لَهُنَّ فيه وجهان : أظهرهما : أنّه متعلّق ب يَجْعَلَ .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 5 / 56 . ( 2 ) البيت لعروة بن الورد ينظر ديوانه ص 89 ، ولأبي عطاء السندي في الأغاني 17 / 244 ، ولربيعة في العقد الفريد 3 / 31 ، ورصف المباني ص 133 ، والمقرب 1 / 63 ، وشرح الجمل لابن عصفور 2 / 156 والدر المصون 2 / 331 .