عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

23

اللباب في علوم الكتاب

وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم ، بفتح الياء وضم الغين « 1 » - من غل - مبنيا للفاعل ، ومعناه : أنه لا يصح أن يقع من النبي غلول ؛ لتنافيهما ، فلا يجوز أن يتوهّم ذلك فيه البتة . وقرأ الباقون « يغلّ » مبنييا للمفعول ، وهذه القراءة فيها احتمالان : أحدهما : أن يكون من « غلّ » ثلاثيا ، والمعنى : ما صح لنبيّ أن يخونه غيره ويغلّه ، فهو نفي في معنى النهي ، أي : لا يغلّه أحد . ثانيهما : أن يكون من « أغلّ » رباعيا ، وفيها وجهان : أحدهما : أن يكون من « أغلّه » أي : نسبه إلى الغلول ، كقولهم : أكذبته - إذا نسبته إلى الكذب - وهذا في المعنى كالذي قبله ، أي : نفي في معنى النهي ، أي : لا ينسبه أحد إلى الغلول . قال ابن قتيبة : ولو كان المراد هذا المعنى لقيل : يغلّل كما يقال : يفسّق ، ويخوّن ، ويفجّر ، والأولى أن يقال : إنه من « أغللته » أي : وجدته غالا ، كما يقال : أبخلته » . الثاني : أن يكون من « أغلّه » أي : وجده غالّا ، كقولهم : أحمدتّ الرّجل وأبخلته ، أي : وجدته محمودا وبخيلا . والظاهر أن قراءة « يغلّ » بالبناء للفاعل - لا يقدّر فيها مفعول محذوف ؛ لأن الغرض نفي هذه الصفة عن النبيّ من غير نظر إلى تعلق بمفعول ، كقولك : هو يعطي ويمنع - تريد إثبات هاتين الصفتين ، وقدر له أبو البقاء مفعولا ، فقال : تقديره أن يغل المال أو الغنيمة . واختار أبو عبيد والفارسي قراءة البناء للفاعل قالا : « لأن الفعل الوارد بعد « ما كان لكذا أن يفعل » أكثر ما يجيء منسوبا إلى الفاعل نحو : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ [ آل عمران : 145 ] ، ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ [ آل عمران : 179 ] و ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ [ يوسف : 38 ] ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ [ يوسف : 76 ] وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً [ التوبة : 115 ] وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [ آل عمران : 179 ] ويقال : ما كان ليضرب ، فوجب إلحاق هذه الآية بالأعم الأغلب ويأكده ما حكى أبو عبيدة عن يونس أنه كان يختار هذه القراءة ، وقال : ليس في الكلام ما كان لك أن تقرب - بضم التاء ، وأيضا فهذه القرءة اختيار ابن عباس ، فقيل له : إن ابن مسعود يقرأ : يغل فقال ابن عباس : كان النبيّ يقصدون قتله فكيف لا ينسبونه إلى الخيانة . قال شهاب الدين : ورجحها بعضهم بقوله : وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ فهذا يوافق

--> ( 1 ) انظر : السبعة 218 ، والحجة 3 / 94 ، وحجة القراءات 179 ، 180 ، وإعراب القراءات 1 / 122 ، والعنوان 81 ، وشرح شعلة 325 ، وإتحاف 1 / 493 .