عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
219
اللباب في علوم الكتاب
و « يوصي » فعل مضارع المراد به المضمر ، أي : وصية أوصى بها و « بها » متعلق به ، والجملة في محلّ جرّ صفة ل « وصية » . وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر « 1 » « يوصى » مبنيّا للمفعول في الموضعين ، ووافقهم حفص في الأخير ، والباقون مبنيا للفاعل . وقرىء « 2 » شاذا « يوصّى » بالتشديد مبنيا للمفعول ، ف « بها » في قراءة البناء للفاعل في محلّ نصب ، وفي قراءة البناء للمفعول في محلّ رفع لقيامه مقام الفاعل . قوله : « أو دين » ، « أو » هنا لأحد الشيئين ، قال أبو البقاء « 3 » : « ولا تدلّ على ترتيب ، إذ لا فرق بين قولك : « جاءني زيد أو عمرو » ، وبين قولك : « جاءني عمرو أو زيد » ؛ لأنّ « أو » لأحد الشيئين ، والواحد لا ترتيب فيه ، وبهذا يفسد قول من قال : « من بعد دين أو وصية » وإنّما يقع الترتيب فيما إذا اجتمعا ، فيقدّم الدّين على الوصيّة » . وقال الزّمخشريّ : « فإن قلت : فما معنى أو ؟ قلت : معناها الإباحة ، وأنّه إن كان أحدهما ، أو كلاهما قدّم على قسمة الميراث ، كقولك : « جالس الحسن أو ابن سيرين » ، فإن قلت : لم قدّمت الوصيّة على الدّين والدّين مقدّم عليها في الشّريعة ؟ . قلت : لما كانت الوصيّة مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض ، كان إخراجها ممّا يشقّ على الورثة ، بخلاف الدّين ، فإن نفوسهم مطمئنّة إلى أدائه ، فلذلك قدّمت على الدّين بعثا على وجوبها ، والمسارعة إلى إخراجها مع الدّين ، ولذلك جيء بكلمة « أو » للتّسوية بينهما في الوجوب » . وقال ابن الخطيب « 4 » : إنّ كلمة « أو » إذا دخلت على « 5 » النفي صارت في معنى الواو ، كقوله : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً [ الإنسان : 24 ] وقوله : حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ [ الأنعام : 146 ] فكانت « أو » هاهنا بمعنى الواو ، وكذلك قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ لما كان في معنى الاستثناء صار كأنه قال : إلّا أن يكون هناك وصية أو دين فيكون المراد بعدهما جميعا . قوله : آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ مبتدأ ، و لا تَدْرُونَ وما في حيّزه في محلّ الرفع خبرا له . و أَيُّهُمْ فيه وجهان :
--> ( 1 ) انظر : السبعة 228 ، والحجة 3 / 139 - 140 ، وحجة القراءات 193 ، وإعراب القراءات 1 / 130 ، والعنوان 83 ، وشرح الطيبة 4 / 194 ، وشرح شعلة 333 ، وإتحاف 1 / 505 . ( 2 ) قرأ بها الحسن بن أبي الحسن . انظر : المحرر الوجيز 2 / 71 ، والدر المصون 2 / 322 ، والشواذ 25 . ( 3 ) ينظر : الإملاء 1 / 169 . ( 4 ) ينظر : تفسير الرازي 9 / 176 . ( 5 ) في ب : مع .