عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
19
اللباب في علوم الكتاب
لهم ، وإذا أمره بالاستغفار لهم لا يجوز أن لا يجيبه إليه ؛ لأن ذلك لا يليق بالكريم ، وإذا دلت الآية على أنه - تعالى - شفع محمدا في أصحاب الكبائر في الدنيا فلأن يشفعه يوم القيامة كان أولى . قوله : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ يقال شاورهم مشاورة وشوارا ومشورة ، والقوم شورى ، وهي مصدر ، سمي القوم بها ، كقوله : وَإِذْ هُمْ نَجْوى [ الإسرء : 47 ] قيل : المشاورة : مأخوذة من قولهم : شرت العسل ، أشوره : إذا أخذته من موضعه واستخرجته . وقيل : مأخوذة من قولهم : شرت الدابّة ، شورا - إذا عرضتها والمكان الذي يعرض فيه الدوابّ يسمى مشوارا ، كأنه بالعرض - يعلم خيره وشره ، فكذلك بالمشاورة يعلم خير الأمور وشرها . الفائدة في أمر اللّه لرسوله بالمشاورة من وجوه : الأول : أن مشاورة الرسول صلى اللّه عليه وسلم إياهم توجب علو شأنهم ، ورفعة درجتهم ، وذلك يقتضي شدة محبتهم له ، فلو لم يفعل ذلك لكان ذلك إهانة بهم ، فيحصل سوء الخلق والفظاظة . الثاني : أنه صلى اللّه عليه وسلم وإن كان أكمل الناس عقلا ، إلا أن [ عقول ] « 1 » الخلق غير متناهية ، فقد يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح - ما لا يخطر ببال آخر ، لا سيما فيما يتعلق بأمور الدنيا ، قال : « أنتم أعرف بأمور دنياكم » ولهذا السبب قال : « ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم » « 2 » . الثالث : قال الحسن وسفيان بن عيينة إنما أمر بذلك ليقتدي به غيره في المشاروة ويصير ذلك سنة في أمته « 3 » . الرابع : أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم شاورهم في واقعة أحد ، فأشاروا عليه بالخروج ، وكان ميله إلى ألا يخرج ، فلما خرج وقع ما وقع ، فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان ذلك يدل على أنه بقي في قلبه منهم - بسبب مشاورتهم - بقية أثر ، فأمره اللّه تعالى - بمشاورتهم بعد تلك الواقعة ، ليدل على أنه لم يبق في قلبه أثر من تلك الواقعة . الخامس : أنه صلى اللّه عليه وسلم أمر بمشاورتهم ، لا ليستفيد منهم رأيا وعلما ، بل ليعلم مقادير عقولهم ، ومحبتهم له . وقيل : أمر بالمشاورة [ ليعلم ] « 4 » مقدار عقولهم وعلمهم ، فينزلهم منازلهم على
--> ( 1 ) في ب : علوم . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 244 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 159 ) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن مرفوعا . ( 3 ) ذكره الرازي في « التفسير الكبير » ( 9 / 54 ) عن الحسن وسفيان بن عيينة . ( 4 ) في أ : ليعرف .