عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

115

اللباب في علوم الكتاب

وشاهدة بأنّ كلّ ممكن لذاته فإنه لابد وأن ينتهي في رجحانه إلى الواجب لذاته ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الخير والشر بقضاء اللّه ، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون المراد من الآية تعليل أفعال الله - تعالى - بالمصالح وأما قوله : لو كان كذلك لكان قوله : سُبْحانَكَ تنزيها عن فعل ما لا شدة فيه ولا صلابة ، وذلك باطل ، فجوابه : لم لا يجوز أن يكون المراد : ربنا ما خلقت هذا رخوا فاسد التركيب ، بل خلقته صلبا محكما ؟ وقوله : سُبْحانَكَ معناه : أنك إن خلقت السماوات والأرض صلبة ، شديدة ، باقية ، فأنت منزه عن الاحتياج إليه والانتفاع به . وأما قولهم : إنما يحسن وصل قوله : فَقِنا عَذابَ النَّارِ به إذا فسّرناه بقولنا ، فالجواب : لا نسلم بل وجه النظم أنّ قوله : سُبْحانَكَ اعتراف بكونه غنيا عن كل ما سواه ، وإذا وصفه بالغنى يكون قد اعترف لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدنيا والآخرة ، فقال : فَقِنا عَذابَ النَّارِ وهذا الوجه أحسن في النظم . وأما سائر الآيات التي ذكروها فهي دالة على أن أفعاله منزهة عن اتصافها بالعبث ، واللعب ، والبطلان ونحن نقول بموجبه ، وأنّ أفعاله كلّها حكمة وصواب . وقوله : سُبْحانَكَ إقرار بعجز العقول عن الإحاطة بآثار حكمة اللّه في خلق السماوات والأرض . يعني أنّ الخلق إذا تفكروا في هذه الأجسام العظيمة لم يعرفوا منها إلا هذا القدر . والمقصود منه تعليم العباد كيفية الدعاء وآدابه ، وذلك أنّ من أراد الدعاء فليقدم الثناء ، ثم يذكر بعده الدعاء ، كهذه الآية . قوله : رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ « من » شرطية ، مفعول مقدم ، واجب التقديم ، لأن له صدر الكلام ، و « تدخل » مجزوم بها ، و فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ جواب لها . وحكى أبو البقاء عن بعضهم قولين غريبين : الأول : أن تكون « من » منصوبة بفعل مقدّر ، يفسّره قوله : فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ . وهذا غلط ؛ لأن من شرط الاشتغال صحة تسلط ما يفسّر على ما هو منصوب ، والجواب لا يعمل فيما قبل فعل الشرط ؛ لأنه لا يتقدم على الشرط . الثاني : أن تكون « من » مبتدأ ، والشرط وجوابه خبر هذا المبتدأ . وهذان الوجهان غلط ، واللّه أعلم . وعلى الأقوال كلّها فهذه الجملة الشرطية في محل رفع ؛ خبرا ل « إنّ » . ويقال : خزيته وأخزيته ثلاثيا ورباعيا - والأكثر الرباعي ، وخزي الرجل يخزى خزيا - إذا افتضح - وخزاية - إذا استحيا - فالفعل واحد ، وإنما يتميز بالمصدر . قال الواحديّ : الإخزاء - في اللغة - يرد على معان يقرب بعضها من بعض . قال الزّجّاج : أخزى اللّه العدوّ : أي : أبعده .