عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

116

اللباب في علوم الكتاب

وقال غيره : أخزاه اللّه : أي : أهانه . وقال شمر : أخزاه اللّه : أي : فضحه ، وفي القرآن : وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي [ هود : 78 ] . وقال المفضّل : أخزاه اللّه : أي : أهلكه . وقال ابن الأنباري : الخزي - في اللغة - الهلاك بتلف أو انقطاع حجة ، أو وقوع في بلاء ، وكل هذه الوجوه متقاربة . وقال الزمخشريّ : « فقد أخزيته » أي : أبلغت في إخزائه . فصل [ في دلالة الآية على أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن ] فصل قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على أن صاحب الكبيرة - من أهل الصّلاة - ليس بمؤمن ؛ لأن صاحب الكبيرة إذا دخل النار فقد أخزاه اللّه ؛ لدلالة هذه الآية ، والمؤمن لا يخزى ؛ لقوله تعالى : يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [ التحريم : 8 ] فوجب من [ مجموع هاتين ] « 1 » الآيتين ألا يكون صاحب الكبيرة مؤمنا . والجواب أن قوله : يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ لا يقتضي نفي الإخزاء مطلقا ، وإنما يقتضي ألا يحصل الإخزاء حال ما يكونون مع النبيّ ، وهذا النفي لا يناقضه إثبات الإخزاء في الجملة ؛ لاحتمال أن يحصل الإخزاء في وقت آخر . وأجاب الواحديّ في « البسيط » بثلاثة أجوبة أخر : أحدها : أنه نقل عن سعيد بن المسيّب ، والثوري ، وقتادة ، أن قوله : « فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ » مخصوص بمن يدخل النّار للخلود . وهذا الجواب ضعيف ؛ لأن مذهب المعتزلة أنّ كلّ فاسق دخل النّار ، فإنّما يدخلها للخلود فيها . وثانيها : أن المدخل في النار مخزى في حال دخوله ، وإن كان عاقبته أن يخرج منها . وهذا - أيضا - ضعيف ؛ لأنّ موضع الاستدلال أن قوله : يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ يدل على نفي الخزي عن المؤمنين على الإطلاق ، وهذه الآية دلت على حصول الخزي لكل من دخل النّار ، فحصل بحكم هاتين الآيتين - بين كونه مؤمنا ، وبين كونه كافرا - من يدخل النار - منافاة . وثالثها : أنّ الإخزاء يحتمل وجهين : أحدهما : الإهانة والإهلاك . وثانيهما : التخجيل ، يقال : خزي خزاية : إذا استحيا ، وأخزاه غيره : إذا عمل به عملا يخجله ويستحيي منه . قال ابن الخطيب : « واعلم أنّ حاصل هذا الجواب : أنّ لفظ الإخزاء مشترك بين التخجيل وبين الإهلاك ، واللفظ المشترك لا يمكن حمله في طرفي النفي والإثبات على

--> ( 1 ) في أ : عموم .