عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

114

اللباب في علوم الكتاب

قوله : سُبْحانَكَ تقدم إعرابه ، وهو معترض بين قوله : رَبَّنا وبين قوله : فَقِنا . وقال أبو البقاء : « دخلت الفاء لمعنى الجزاء ، والتقدير : إذا نزهناك ، أو وحّدناك فقنا » . وهذا لا حاجة إليه ، بل التسبب فيها ظاهر ؛ تسبب عن قولهم : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ طلبهم وقاية النار . وقيل : هي لترتيب السؤال على ما تضمنه سُبْحانَكَ من معنى الفعل ، أي : سبحانك فقنا . وأبعد من ذهب إلى أنها للترتيب على ما تضمنه النداء . فصل [ في دلالة هذه الآيات ] فصل قالت المعتزلة : دلّت هذه الآية على أنّ كلّ ما يفعله اللّه تعالى ، فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبيد ، ولأجل الحكمة ، والمراد منها رعاية مصالح العباد ، قالوا : لأنه لو لم يخلق السماوات والأرض لغرض كان قد خلقهما باطلا ، وذلك ضد هذه الآية ، قالوا : وقوله : سُبْحانَكَ تنزيه له عن خلقه لهما باطلا . وأجاب الواحدي : بأنّ الباطل هو الذاهب الزائل ؛ الذي لا يكون له قوة ولا صلابة ولا بقاء ، وخلق السماوات والأرض محكم ، متقن ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [ الملك : 3 ] ؟ وقوله تعالى : وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً [ النبأ : 12 ] . فكان المراد من قوله : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا هذا المعنى ، لا ما ذكره المعتزلة . فإن قيل : هذا الوجه مدفوع بوجوه : الأول : لو كان المراد بالباطل : الرخو ، المتلاشي ؛ لكان قوله : سُبْحانَكَ تنزيها له أن يخلق مثل هذا الخلق ، وذلك باطل . الثاني : أنه إنما يحسن وصل قوله : فَقِنا عَذابَ النَّارِ به إذا حملناه على المعنى الذي ذكرناه ؛ لأن التقدير : ما خلقته باطلا بغير حكمة ، بل خلقته بحكمة عظيمة . فعلى قولنا يحسن النظم ، وعلى قولكم بشدة التركيب لم يحسن النّظم . الثالث : أنه - تعالى - ذكر هذا في آية أخرى ، فقال : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ ص : 27 ] وقال في آية أخرى : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ [ الدخان : 38 - 39 ] وقال : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ [ المؤمنون : 115 و 116 ] . أي : فتعالى الملك الحقّ عن أن يكون خلقه عبثا ، وإذا لم يكن عبثا فامتناع كونه باطلا أولى . فالجواب : أنّ بديهة العقل شاهدة بأنّ الموجود إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته ،