عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
113
اللباب في علوم الكتاب
البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان - عرف أن تلك الورقة - بالنسبة إلى هذه الأشياء - كالعدم ، فإذا اعترف بقصور عقله عن معرفة ذلك الشيء الحقير ، عرف أنه لا سبيل له - البتة - إلى الاطلاع على عجائب حكمته في خلق السّموات والأرض فلم يبق - مع هذا - إلا الاعتراف بأنّ الخالق أجلّ وأعظم من أن يحيط به وصف الواصفين ومعارف العارفين ، بل يسلّم أن كل ما خلق ففيه حكم بالغة - وإن كان لا سبيل له إلى معرفتها - فعند ذلك يقول : سُبْحانَكَ والمراد منه الاشتغال بالتهليل والتسبيح والتحميد ، ويشتغل بالدعاء ، فيقول : فَقِنا عَذابَ النَّارِ . قوله : رَبَّنا هذه الجملة في محل نصب بقول محذوف ، تقديره : يقولون ، والجملة القولية فيها وجهان : أظهرهما : أنها حال من فاعل « يتفكّرون » أي : يتفكرون قائلين ربنا ، وإذا أعربنا « يتفكّرون » حالا - كما تقدم - فيكون الحالان متداخلين . والوجه الثاني : أنها في محل رفع ؛ خبرا ل « الّذين » على قولنا بأنه مبتدأ ، كما تقدم نقله عن أبي البقاء . قوله : « هذا » إشارة إلى الخلق ، إن أريد به المخلوق ، وأجاز أبو البقاء - حال الإشارة إليه ب « هذا » - أن يكون مصدرا على حاله ، لا بمعنى المخلوق ، وفيه نظر . أو إلى السّموات والأرض - وإن كانا شيئين ، كل منهما جمع - لأنهما بتأويل هذا المخلوق العجيب ، أو لأنهما في معنى الجمع ، فأشير إليهما كما يشار إلى لفظ الجمع . قوله : « باطلا » في نصبه خمسة أوجه : أحدها : أنه نعت لمصدر محذوف ، أي : خلقا باطلا ، وقد تقدم أن سيبويه يجعل مثل هذا حالا من ضمير ذلك المصدر . الثاني : أنه حال من المفعول به ، وهو « هذا » . الثالث : أنه على إسقاط حرف خافض - وهو الباء - والمعنى : ما خلقتهما بباطل ، بل بحقّ وقدرة . الرابع : أنه مفعول من أجله ، و « فاعل » قد يجيء مصدرا ، كالعاقبة ، والعافية . الخامس : أنه مفعول ثان ل « خلق » قالوا : و « خلق » إذا كانت بمعنى « جعل » التي تتعدى لاثنين ، تعدّت لاثنين . وهذا غير معروف عند أهل العربية ، بل المعروف أن « جعل » إذا كانت بمعنى « خلق » تعدت لواحد فقط . وأحسن هذه الأعاريب أن تكون حالا من « هذا » وهي حال لا يستغنى عنها ؛ لأنها لو حذفت لا ختلّ الكلام ، وهي كقوله تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ [ الدخان : 38 ] .