عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
112
اللباب في علوم الكتاب
فالجواب : أن هذه واو العطف ، والممنوع إنما هو واو الحال . و « خلق » فيه وجهان : أحدهما : أنه مصدر على أصله ، أي يتفكرون في صفة هذه المخلوقات العجيبة ، ويكون مصدرا مضافا لمفعوله . الثاني : أنه بمعنى المفعول ، أي : في مخلوق السماوات والأرض وتكون إضافته في المعنى إلى الظرف ، أي : يتفكرون فيما أودع اللّه هذين الظرفين من الكواكب وغيرها . وقال أبو البقاء : « وأن يكون بمعنى المخلوق ، ويكون من إضافة الشيء إلى ما هو هو في المعنى » . قال شهاب الدّين « 1 » : « وهذا كلام متهافت ؛ إذ لا يضاف الشيء إلى نفسه ، وما أو هم بذلك يؤوّل » . فصل [ في معنى قوله : « ويتفكرون في خلق السماوات والأرض » ] فصل وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وما أبدع فيهما ؛ ليدلهم ذلك على قدرة الصانع ، [ ويعرفوا ] « 2 » أن لها مدبّرا حكيما . وقال بعض العلماء : الفكرة تذهب الغفلة ، وتحدث للقلب خشية ، كما يحدث الماء للزرع والنبات ، ولا أجليت القلوب بمثل الأحزان ، ولا استنارت بمثل الفكرة . واعلم أن دلائل التوحيد محصورة في قسمين : دلائل الآفاق ، ودلائل الأنفس ، ولا شك أن دلائل الآفاق أجلّ وأعظم ، كما قال تعالى : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [ غافر : 57 ] فلذلك أمر بالتفكر في خلق السماوات والأرض ؛ لأن دلالتها أعجب ، وكيف لا تكون كذلك ولو أنّ الإنسان نظر إلى ورقة صغيرة من أوراق شجرة رأى في تلك الورقة عرقا واحدا ممتدا في وسطها ، ثم يتشعّب من ذلك العرق عروق كثيرة من الجانبين ، ثم يتشعّب منها عروق دقيقة ، ولا يزال يتشعب من كل عرق عروق أخرى ، حتى تصير في الورقة بحيث لا يراها البصر ، وعند هذا يعلم أن للحق في تدبير هذه الورقة على هذه الخلقة حكما بالغة ، وأسرارا عجيبة ، وأن اللّه تعالى أودع فيها قوة جاذبة لغذائها من قعر الأرض ، ثم إنّ ذلك الغذاء يجري في تلك العروق حتى يتوزّع على كل جزء من أجزاء تلك الورقة جزء من أجزاء ذلك الغذاء - بتقدير العزيز العليم - ولو أراد الإنسان أن يعرف كيفية خلقه تلك الورقة ، وكيفية التدبير في إيجادها ، وإيداع القوى الغذائية والنامية فيها لعجز عنه ، فإذا عرف أن عقله قاصر عن الوقوف على كيفية خلقه تلك الورقة الصغيرة ، فحينئذ يقيس تلك الورقة إلى السماوات - مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم - وإلى الأرض - مع ما فيها من
--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 2 / 283 . ( 2 ) في أ : ويقولون .