عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
60
اللباب في علوم الكتاب
فصل في سبب النّزول نزلت هذه الآية في خنساء ، وهي وليدة سوداء ، كانت لحذيفة بن اليمان ، قال حذيفة : يا خنساء قد ذكرت في الملأ الأعلى على سوادك ودمامتك ؛ فأعتقها وتزوجها « 1 » . وقال السّدّيّ : نزلت في عبد اللّه بن رواحة كانت له أمة سوداء ، فغضب عليها ، ولطمها ، ثم أتى النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - وأخبره بذلك ، فقال له - عليه الصّلاة والسّلام - : « وما هي » ؟ فقال : تشهد ألّا إله إلا اللّه ، وأنّك رسول اللّه ، وتحسن الوضوء وتصلّي فقال : « إنّ هذه مؤمنة » قال عبد اللّه : فو الّذي بعثك بالحقّ نبيّا ، لأعتقها ولأتزوجها ، ففعل ، فطعن عليه ناس من المسلمين ، وقالوا : تنكح أمة ؟ ! وعرضوا عليه حرّة مشركة . فأنزل اللّه هذه الآية « 2 » . فصل في بيان الخيريّة في الآية والخير هاهنا النفع الحسن ، والمعنى : أنّ المشركة - وإن كانت ثابتة في المال ، والجمال ، والنّسب - فالأمة المؤمنة خير منها إلّا أن الإيمان يتعلّق بالدّين ، والمال ، والجمال ، والنّسب متعلّق بالدّين والدّنيا ، ولا شكّ أنّ الدّين خير من الدنيا ؛ لأنه أشرف الأشياء عند كل أحد ، فإذا اتفق الدين كملت المحبة فتكمل منافع الدنيا من الصحة والطاعة وحفظ الأموال والأولاد ، وعند اختلاف الدين لا يحصل شيء من ذلك . فصل في تقرير مذهب أبي حنيفة في القادر على التزوّج بأمة مع وجود الحرة قال الجبائي « 3 » : دلت الآية على أن القادر على طول الحرة يجوز له التزوج بالأمة كمذهب أبي حنيفة ؛ لأن الآية دلت على أن الواجد لطول الحرة المشركة يكون - لا محالة - واجدا لطول الحرة المسلمة لأن سبب التفاوت في الإيمان والكفر لا يتفاوت في قدر المال المحتاج إليه في أهبة النكاح فيلزم - قطعا - أن يكون الواجد لطول الحرة المسلمة يجوز له نكاح الأمة ، وهو استدلال لطيف . قوله : « وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ » ، وقوله : « وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ » هذه الجملة في محلّ نصب على الحال ، وقد تقدّم أنّ « لو » هذه في مثل هذا التّركيب شرطيّة بمعنى : « إن » نحو : « ردّوا السّائل ، ولو بظلف محرق » « 4 » ، وأنّ الواو للعطف على حال محذوفة ، التّقدير : خير من
--> ( 1 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 459 ) وعزاه لابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان . ( 2 ) أخرجه الواحدي من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس كما في « الدر المنثور » ( 1 / 459 ) . وأخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 368 - 369 ) عن السدي . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 52 . ( 4 ) تقدم .