عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
61
اللباب في علوم الكتاب
مشركة على كلّ حال ، ولو في هذه الحال ، وأنّ هذا يكون لاستقصاء الأحوال ، وأنّ ما بعد « لو » هذه إنّما يأتي وهو مناف لما قبله بوجه ما ، فالإعجاب مناف لحكم الخيريّة ، ومقتض جواز النّكاح لرغبة النّاكح فيها . وقال أبو البقاء : « لو » هنا بمعنى « إن » وكذا كلّ موضع وقع بعد « لو » الفعل الماضي ، وكان جوابها متقدّما عليها ، وكونها بمعنى « إن » لا يشترط فيه تقدّم جوابها ؛ ألا ترى أنّهم قالوا في قوله تعالى : « لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ » إنّها بمعنى : « إن » مع أنّ جوابها وهو : « خافوا » متأخّر عنها ، وقد نصّ هو على ذلك في آية النّساء قال في خافوا : وهو جواب « لو » ومعناها « إن » . فصل في نكاح الأمة الكتابيّة قال القرطبيّ « 1 » : اختلفوا في نكاح الأمة الكتابيّة ؛ فقال مالك : من أسلم وتحته أمة كتابيّة أنّه لا يفرّق بينهما . وقال أبو حنيفة وأصحابه : يجوز نكاح إماء أهل الكتاب . قال ابن العربيّ : احتجّ أصحاب أبي حنيفة على جواز نكاح الأمة بقوله تعالى : « وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ » ووجه الدلالة : أنّه تعالى خاير بين نكاح الأمة المؤمنة والمشركة ، فلولا أنّ نكاح الأمة المشركة جائز لما خاير بينهما ؛ لأنّ المخايرة إنّما هي بين الجائزين ، لا بين جائز وممتنع ، ولا بين متضادين . والجواب : أنّ المخايرة بين الضدّين تجوز لغة وقرآنا ، قال تعالى : أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [ الفرقان : 24 ] . وقال عمر في رسالته لأبي موسى الأشعري : الرّجوع إلى الحقّ خير من التّمادي في الباطل « 2 » .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 47 . ( 2 ) ونص الرسالة : « عن أبي المليح الهذلي ، قال : كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري : أما بعد : فإن القضاء فريضة محكمة ، وسنة متبعة ، فافهم إذا أدلي إليك بحجة ، وأنفذ الحق إذا وضح ، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له وآس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا ييأس الضعيف من عدلك ، ولا يطمع الشريف في حيفك ، البينة على من ادّعى ، واليمين على من أنكر ، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما ، أو حرم حلالا ، لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت من نفسك ، وهديت فيه لرشدك ألا تراجع الحق ؛ فإن الحق قديم ، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل ، الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك ، ما لم يبلغك في الكتاب أو السنة ( اعرف الأمثال والأشباه ، ثم قس الأمور عند ذلك ) ، ( فاعمد إلى أحبها عند اللّه وأشبهها بالحق فيما ترى ) ، واجعل لمن ادعى منه أمدا ينتهي إليه ، فإن أحضر بينته أخذ بحقه ، وإلا وجهت القضاء عليه ؛ فإن ذلك أجلى للعمى ، وأبلغ في العذر ، المسلمون عدول بعضهم على بعض ، إلا مجلودا في حدّ ، أو مجربا في شهادة زور ، أو ظنينا في ولاء ، أو قرابة ، إن اللّه تولى منكم السرائر ، ودرأ عنكم بالبينات ، وإياك والقلق والضجر والتأذي بالناس ، والتنكر للخصوم في مواطن الحق التي يوجب اللّه بها الأجر ويحسن بها الذخر ؛ فإنه من -