عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
56
اللباب في علوم الكتاب
الاستدلال : أنّ الأصل في الأبضاع الحرمة فلما تعارض دليل الحلّ ، ودليل الحرمة تساقطا ؛ فوجب بقاء حكم الأصل ، وبهذا الطريق لما سئل عثمان عن الجمع بين الأختين في ملك اليمين قال : أحلّتهما آية ، وحرّمتهما آية « 1 » ، فحكم عند ذلك بالتّحريم للسّبب الذي ذكرناه ، فكذا هاهنا . وثالثها : حكى ابن جرير الطّبريّ في « تفسيره » عن ابن عبّاس تحريم أصناف النّساء إلّا المؤمنات ، واحتجّ بقوله : فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ « 2 » [ المائدة : 5 ] ، وإذا كان كذلك فالكتابيّة كالمرتدّة في أنه لا يجوز العقد عليها . ورابعها : أنّ طلحة نكح يهوديّة ، وحذيفة نصرانيّة ، فغضب عمر عليهما غضبا شديدا ، فقالا : نطلق يا أمير المؤمنين ، فلا تغضب . فقال : إنّ من أحلّ طلاقهنّ ، فقد أحلّ نكاحهنّ ، ولكن أنتزعهنّ « 3 » منكما . وأجيب عن الأوّل بأنّ من قال : الكتابيّ لا يدخل تحت اسم المشرك ، فالإشكال عنه ساقط ، ومن سلّم ذلك ، قال إنّ قوله تعالى : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ المائدة : 5 ] أخص من هذه الآية ، فإذا كانت هذه الحرمة ثابتة ، ثم زالت كان قوله : « والمحصنات » ناسخا ، وإن لم تثبت الحرمة كانت مخصّصة ، وإن كان النّسخ والتّخصيص خلاف الأصل إلّا أنّه إنما لما كان لا سبيل إلى التّوفيق بين الآيتين إلّا بهذا الطّريق ؛ وجب المصير إليه . وقولهم : إنّ نكاح الوثنيّة إنّما حرّم ؛ لأنّها تدعو إلى النّار ، وهذا المعنى موجود في الكتابيّة . قلنا : الفرق بينهما أنّ المشركة متظاهرة بالمخالفة ، فلعلّ الزّوج يحبّها ، ثم إنّها تحمله على مقاتلة المسلمين ، وهذا المعنى غير موجود في الذّمّيّة ؛ لأنها مقهورة راضية بالذّلّة ، والمسكنة ، فلا يتضمّن نكاحها المقاتلة . وقولهم : تعارضت آية التّحريم « 4 » ، وآية التّحليل « 5 » . قلنا : آية التّحليل خاصّة ، ومتأخّرة بالإجماع ؛ فوجب تقديمها على آية التّحريم ، بخلاف الآيتين ، بالجمع بين الأختين في ملك اليمين ، لأنّ كلّ واحدة منهما أخصّ من الأخرى من وجه ، وأعمّ من وجه آخر ، فلم يحصل فيه سبب التّرجيح .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 50 . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 364 ) عن ابن عباس وذكره ابن كثير في « تفسيره » ( 1 / 507 ) وقال : هذا حديث غريب جدا . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 50 - 51 . ( 4 ) في ب : التحليل . ( 5 ) في ب : التحريم .