عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

537

اللباب في علوم الكتاب

وأعرض عن أسباب التذكّر ، فهذا يصحّ طلب غفرانه بالدّعاء . الثاني : أن هذا دعاء على سبيل التّقدير ؛ لأن هؤلاء الّذين ذكروا هذا الدّعاء كانوا متّقين للّه حقّ تقاته ، فلم يكن يصدر عنهم ما لا ينبغي إلّا على وجه النّسيان والخطأ ، فكان وصفهم بذلك إشعارا ببراءة ساحتهم عمّا يؤاخذون به ؛ كأنه قيل : إذا كان النّسيان ممّا تجوز المؤاخذة به ، فلا تؤاخذنا به . الثالث : أنّ المقصود من هذا الدّعاء إظهار التّضرّع إلى اللّه تعالى لا طلب الفعل ؛ لأن الدّاعي كثيرا ما يدعو بما يقطع بأنّ اللّه تعالى يفعله ، سواء دعا أو لم يدع ؛ قال : رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ [ الأنبياء : 112 ] ، وقال : رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ [ آل عمران : 194 ] ، وقالت الملائكة : فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ [ غافر : 7 ] فكذا ههنا . الرابع : أن مؤاخذة النّاسي ممتنعة عقلا ، لأنّ الإنسان إذا علم أنه بعد النّسيان يكون مؤاخذا ، فإنه بخوف المؤاخذة يستديم الذكر « 1 » ، فحينئذ لا يصدر عنه ، إلّا أنّ استدامة ذلك الذّكر يشقّ على النّفس ، فلمّا جاز ذلك في العقول ، حسن طلب المغفرة منه . الخامس : أن الّذين جوّزوا تكليف ما لا يطاق تمسّكوا بهذه الآية ، فقالوا : النّاسي غير قادر على الاحتراز عن الفعل ، فلو لا أنّه جائز عقلا أن يعاقبه اللّه عليه ، لما طلب بالدّعاء ترك المؤاخذة به . القول الثاني : أن المراد بالنّسيان : التّرك ؛ قال اللّه تعالى : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [ التوبة : 67 ] ، أي : تركوا العمل للّه فترك أن يثيبهم ، ويقول الرّجل لصاحبه « لا تنسني من عطيّتك » ، أي : لا تتركني ، فالمراد بهذا النّسيان أن يترك الفعل لتأويل فاسد ، والمراد بالخطأ : أن يفعل الفعل لتأويل فاسد . قوله : « رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً » . الإصر : في الأصل : الثّقل والشّدّة ؛ قال النابغة : [ البسيط ] 1310 - يا مانع الضّيم أن يغشى سراتهم * والحامل الإصر عنهم بعد ما غرقوا « 2 » وأطلق على العهد والميثاق لثقلهما ؛ كقوله تعالى : وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي [ آل عمران : 81 ] أي : عهدي ، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ [ الأعراف : 157 ] أي : التكاليف الشاقة ثم يطلق على كلّ ما يثقل ، حتى يروى عن بعضهم أنه فسّر الإصر هنا بشماتة الأعداء ؛ وأنشد : [ الكامل ]

--> ( 1 ) في ب : مسندا للذكر . ( 2 ) ينظر : ديوانه ( 231 ) والزاهر 2 / 59 ، والبحر المحيط 2 / 359 ، والرازي 7 / 127 ، والدر المصون 1 / 698 ، والقرطبي 3 / 279 .