عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

533

اللباب في علوم الكتاب

ورابعها : أن العبد غير عالم بتفاصيل فعله ؛ لأن من حرّك أصبعه ، لم يعرف عدد الأحيان التي حرّك أصبعه فيها ، ولم يخطر بباله أنه حرّك أصبعه في بعض الأوقات ، وسكن في بعضها وأنّه أين تحرّك وأين سكن ، وإذا لم يكن عالما بتفاصيل فعله ، لم يكن موجدا لها ، وإذا لم يكن موجدا ، لزم تكليف ما لا يطاق . فصل في تأويل هذه الآية اختلفوا في تأويل هذه الآية : فقال ابن عباس « 1 » وعطاء وأكثر المفسّرين : أراد به حديث النّفس المذكور في قوله : « وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ » . وروي عن ابن عباس « 2 » ؛ أنه قال : هم المؤمنون خاصّة ، وسّع اللّه عليهم أمر دينهم ، ولم يكلّفهم فيه إلّا ما يطيقونه ؛ كقوله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] ، وقوله : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] . قوله : « لَها ما كَسَبَتْ » هذه الجملة لا محلّ لها ؛ لاستئنافها ، وهي كالتفسير لما قبلها ؛ لأنّ عدم مؤاخذتها بكسب غيرها ، واحتمالها ما حصّلته هي فقط من جملة عدم تكليفها بما [ لا ] تسعه ، وهل يظهر بين اختلاف لفظي فعل الكسب معنى ، أم لا ؟ فقال بعضهم : نعم ، وفرّق بأنّ الكسب أعمّ ، إذ يقال : « كسب » لنفسه ولغيره ، و « اكتسب » أخصّ ؛ إذ لا يقال : « اكتسب لغيره » ؛ وأنشد قول الحطيئة : [ البسيط ] 1308 - ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة * . . . « 3 » ويقال : هو كاسب أهله ، ولا يقال : مكتسب أهله . ويقال الزمخشريّ : « فإن قلت : لم خصّ الخير بالكسب ، والشرّ بالاكتساب ؟ قلت : في الاكتساب اعتمال ، ولمّا كان الشرّ ممّا تشتهيه النفس ، وهي منجذبة إليه وأمّارة به ، كانت في تحصيله أعمل وآجد ، فجعلت لذلك مكتسبة فيه ، ولمّا لم تكن كذلك في باب الخير ، وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال » . وقال ابن عطيّة : وكرّر فعل الكسب ، فخالف بين التصريف حسنا لنمط الكلام ؛ كقوله تعالى : فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ [ الطارق : 17 ] ، قال شهاب الدين : « والذي يظهر لي في هذا : أن الحسنات هي مما يكسب دون تكلّف ؛ إذ كاسبها على جادّة أمر اللّه تعالى ،

--> ( 1 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 274 . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق . ( 3 ) صدر بيت وعجزه : فاغفر عليك سلام اللّه يا عمر ينظر ديوانه ( 208 ) ، خزانة الأدب 3 / 294 ، الدر المصون 1 / 696 .