عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

534

اللباب في علوم الكتاب

ورسم شرعه ، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة ؛ إذ كاسبها يتكلّف في أمرها خرق حجاب نهي اللّه تعالى ، ويتجاوز إليها ؛ فحسن في الآية مجيء التصريفين ؛ إحرزا لهذا المعنى » . وقال آخرون : « افتعل » يدلّ على شدّة الكلفة ، وفعل السّيّئة شديد لما يؤول إليه . وقال الواحديّ « 1 » : « الصّحيح عند أهل اللغة : أنّ الكسب والاكتساب واحد ، لا فرق بينهما . وقد جاء القرآن بالكسب والاكتساب في مورد واحد ؛ قال تعالى : كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [ المدثر : 38 ] . وقال تعالى : وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها [ الأنعام : 164 ] وقال تعالى : بَلى ما كَسَبَ سَيِّئَةً [ البقرة : 81 ] ، وقال تعالى : بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا [ الأحزاب : 58 ] فقد استعمل الكسب والاكتساب في الشرّ » . قال ذو الرّمّة : [ البسيط ] 1309 - . . . * ألفي أباه بذاك الكسب يكتسب « 2 » وإنما أتى في الكسب باللام ، وفي الاكتساب ب « على » ؛ لأنّ اللام تقتضي الملك ، والخير يحبّ ويسر به ، فجيء معه بما يقتضي الملك ، ولمّا كان الشرّ يحذر ، وهو ثقل ووزر على صاحبه جيء معه ب « على » المقتضية لاستعلائه عليه . وقال بعضهم : « فيه إيذان أنّ أدنى فعل من أفعال الخير يكون للإنسان تكرّما من اللّه على عبده ؛ حتّى يصل إليه ما يفعله معه ابنه من غير علمه به ؛ لأنه من كسبه في الجملة ، بخلاف العقوبة ؛ فإنه لا يؤاخذ بها إلا من جدّ فيها واجتهد » ، وهذا مبنيّ على القول بالفرق بين البنائين ، وهو الأظهر . فصل في دفع شبهة للمعتزلة احتجت المعتزلة بهذه الآية على أنّ فعل العبد بإيجاده ؛ قالوا : لأنّ الآية صريحة في إضافة خيره وشرّه إليه ، ولو كان ذلك بتخليق اللّه تعالى ، لبطلت هذه الإضافة ، ويجري صدور أفعاله مجرى لونه ، وطوله ، وشكله ، وسائر الأمور التي لا قدرة له عليها ألبتّة . قال القاضي « 3 » : لو كان تعالى خالقا أفعالهم ، فما فائدة التّكليف . والكلام فيه معلوم .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 123 . ( 2 ) عجز بيت وصدره : ومطعم الصيد هبّال لبغيته ينظر ديوانه ( 99 ) ، اللسان : هبل ، الدر المصون 1 / 697 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 124 .