عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

53

اللباب في علوم الكتاب

فهذا التّثليث إمّا أن يكون لاعتقادهم وجود صفات ثلاثة أو لاعتقادهم وجود ذوات ثلاثة . والأول باطل ؛ لأن المفهوم من كونه تعالى عالما غير المفهوم من كونه قادرا ، ومن كونه حيّا ، وإذا كانت هذه المفهومات الثّلاثة لا بدّ من الاعتراف بها كان القول بإثبات صفات ثلاثة من ضرورات دين الإسلام ، فكيف يمكن تكفير النّصارى بسبب ذلك ؛ ولمّا بطل ذلك علمنا أنّه تعالى إنّما كفّرهم ؛ لأنّهم أثبتوا ذواتا ثلاثة قديمة مستقلّة ؛ وذلك لأنهم جوّزوا في أقنوم الكلمة أن يحلّ في عيسى ، والأقنوم عندهم عبارة عن حقيقة الشّيء ، وجوّزوا في أقنوم الحياة أن يحلّ في مريم ، ولولا أنّ هذه الأشياء المسمّاة عندهم بالأقانيم ذوات قامة بأنفسها ؛ لمّا جوّزوا عليه الانتقال من ذوات إلى ذات ، فثبت أنهم قائلون بإثبات ذوات قائمة بالنّفس قديمة أزليّة ، وهذا شرك . وإذا ثبت دخولهم تحت اسم الشّرك ، فاليهود كذلك إذ لا قائل بالفرق . ورابعها : أنّه - عليه الصّلاة والسّلام - أمّر أميرا ، وقال : إذا لقيت عدوّا من المشركين ؛ فادعهم إلى الإسلام ، فإن أجابوك ، فاقبل منهم وكفّ عنهم ، وإن أبوا ، فادعهم إلى الجزية ، وعقد الذّمّة » « 1 » . وخامسها : قال أبو بكر الأصمّ « 2 » : كلّ من جحد الرّسالة ، والمعجزة ، فهو مشرك ؛ لأن تلك المعجزات إنّما ظهرت عن اللّه تعالى ، وكانوا يضيفونها إلى الجنّ والشّياطين ، ويقولون : إنّها سحر ، فقد أثبتوا للّه شريكا في خلق هذه الأشياء الخارجة عن قدرة البشر . وقال أبو الحسن بن فارس : هم المشركون ؛ لأنّهم يقولون : القرآن كلام غير اللّه ، فقد أشركوا مع اللّه غير اللّه . فإن قيل : إنّه تعالى فصل بين القسمين ، وعطف أحدهما على الآخر في قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ [ البقرة : 62 ] وقال : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [ الحج : 17 ] وقال : ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ [ البقرة : 105 ] وذلك يوجب التّغاير . والجواب أنّ هذا كقوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [ الأحزاب : 7 ] وكقوله تعالى : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [ البقرة : 98 ] فإن قالوا : إنّما خصّ بالذّكر تنبيها على كمال الدّرجة في ذلك الوصف .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 3 / 1357 ) كتاب الجهاد : باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث حديث ( 3 / 1731 ) وأبو داود ( 3 / 37 ) كتاب الجهاد : باب في دعاء المشركين ( 2612 ) والشافعي في « المسند » ( 2 / 114 - 115 ) والبيهقي ( 9 / 15 ) والبغوي في « شرح السنة » ( 5 / 545 ) من حديث بريدة بلفظ : إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم . . . ولفظ الشافي في « المسند » إذا لقيت عدوا من المشركين . . . إلى آخره . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 49 .