عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

54

اللباب في علوم الكتاب

قلنا : وها هنا أيضا كذلك إنّما خصّ عبدة الأوثان في هذه الآيات بهذا الاسم تنبيها على كمال درجتهم في الكفر . فصل في سبب النزول سبب نزول هذه الآية : أنّ أبا مرثد بن أبي مرثد بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى « مكّة » ، ليخرج منها ناسا من المسلمين سرّا فلما قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها : « عناق » ؛ وكانت خليلته في الجاهليّة فأتته وقالت : يا أبا مرثد ألا تخلو ؟ فقال لها : ويحك يا عناق إنّ الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك . قالت : هل لك أن تتزوّج بي ؟ قال : نعم ، ولكن أرجع إلى رسول صلّى اللّه عليه وسلّم فأستأمره . فقالت : أبي تتبرم ؟ ثم استغاثت ؛ فضربوه ضربا شديدا ، ثمّ خلّوا سبيله ، فلمّا قضى حاجته بمكّة ، وانصرف إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أعلمه الذي كان من أمره ، وأمر عناق ، وقال : يا رسول اللّه ؛ أيحلّ لي أن أتزوّجها ؛ فأنزل اللّه تعالى : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ « 1 » [ البقرة : 221 ] . فصل في الآية هل هي ابتداء حكم أو تقرير سابق واختلف المفسّرون « 2 » في هذه الآية : هل هي ابتداء حكم وشرع ، أو هو متعلّق بما تقدّم ؛ فالأكثرون على أنّه ابتداء شرع في بيان ما يحلّ ، ويحرم . وقال أبو مسلم : بل هو متعلّق بقصّة اليتامى ، فإنّ اللّه تعالى لما قال : « وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ » وأراد مخالطة النّكاح عطف عليه بما يبعث على الرّغبة في اليتامى ، وأنّ ذلك أولى ممّا كانوا يتعاطونه من الرّغبة في المشركات ، وبيّن أنّ أمة مؤمنة خير من مشركة ، فإنها بلغت النّهاية فيما يفضي إلى الرّغبة فيها ليدلّ بذلك على ما يبعث على التّزوّج باليتامى ، وعلى تزويج الأيتام عند البلوغ ليكون ذلك داعية لما أمر به من النّظر في صلاحهم وصلاح أموالهم . وعلى الوجهين ، فحكم الآية لا يختلف . فصل في بيان جواز نكاح الكتابيّة الأكثرون من الأمّة قالوا : يجوز للرّجل أن يتزوّج بالكتابيّة . وقال ابن عمر ، ومحمّد بن الحنفيّة ، والهادي - وهو أحد أئمّة الزّيديّة - إنّ ذلك حرام ، واستدلّ الجمهور بقوله تعالى في سورة المائدة : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [ المائدة : 5 ] وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء أصلا . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من آمن منهنّ بعد الكفر ، ومن كان على الإيمان من أول الأمر ؟

--> ( 1 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 458 ) وعزاه لابن أبي حاتم وابن المنذر عن مقاتل بن حيان . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 47 .