عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

502

اللباب في علوم الكتاب

وقرأ « 1 » عاصم هنا « تجارة » بالنّصب ، وكذلك « حاضرة » ؛ لأنها صفتها ، ووافقه الأخوان ، والباقون قرءوا بالرّفع فيهما . فالرّفع فيه وجهان : أحدهما : أنها التامة ، أي : إلا أن تحدث ، أو تقع تجارة ، وعلى هذا فتكون « تديرونها » في محلّ رفع صفة لتجارة أيضا ، وجاء هنا على الفصيح ، حيث قدّم الوصف الصريح على المؤول . والثاني : أن تكون النّاقصة ، واسمها « تجارة » والخبر هو الجملة من قوله : « تديرونها » كأنه قيل : إلا أنّ تكون تجارة حاضرة مدارة ، وسوّغ مجيء اسم كان نكرة وصفه ، وهذا مذهب الفراء « 2 » و [ تابعه ] آخرون . وأمّا قراءة عاصم ، فاسمها مضمر فيها ، فقيل : تقديره : إلا أن تكون المعاملة ، أو المبايعة ، أو التجارة . وقدّره الزّجاج « 3 » إلّا أن تكون المداينة ، وهو أحسن . وقال الفارسيّ : « ولا يجوز أن يكون [ التّداين ] اسم كان ؛ لأنّ التّداين معنى ، والتّجارة الحاضرة يراد بها العين ، وحكم الاسم أن يكون الخبر في المعنى ، والتّداين حقّ في ذمة المستدين ، للمدين المطالبة به ، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون اسم كان لاختلاف التّداين ، والتّجارة الحاضرة » وهذا الرد لا يظهر على الزجاج ، لأنّ التّجارة أيضا مصدر ، فهي معنى من المعاني لا عين من الأعيان ، وأيضا فإنّ من باع ثوبا بدرهم في الذّمّة بشرط أن يؤدى الدّرهم في هذه السّاعة ، كان مداينة ، وتجارة حاضرة . وقال الفارسيّ أيضا : ولا يجوز أيضا أن يكون اسمها « الحقّ » الذي في قوله : « فإن كان الّذي عليه الحقّ » للمعنى الذي ذكرنا في التّداين ، لأنّ ذلك الحقّ دين ، وإذا لم يجز هذا لم يخل اسم كان من أحد شيئين : أحدهما : أنّ هذه الأشياء التي اقتضت من الإشهاد ، والارتهان قد علم من فحواها التبايع ، فأضمر التّبايع لدلالة الحال عليه كما أضمر لدلالة الحال فيما حكى سيبويه رحمه اللّه « 4 » : « إذا كان غدا فأتني » ؛ وينشد على هذا : [ الطويل ] 1290 - أعينيّ هلّا تبكيان عفاقا * إذا كان طعنا بينهم وعناقا « 5 » أي : إذا كان الأمر .

--> ( 1 ) انظر : السبعة 194 ، والكشف 1 / 321 ، والحجة 2 / 436 ، وحجة القراءات 151 ، وشرح الطيبة 4 / 136 ، وشرح شعلة 305 ، وإعراب القراءات 1 / 104 ، 105 ، وإتحاف 1 / 460 . ( 2 ) ينظر : معاني القرآن للفراء 1 / 185 . ( 3 ) ينظر : معاني القرآن للزجاج 1 / 366 . ( 4 ) ينظر : الكتاب لسيبويه 1 / 114 . ( 5 ) ينظر : معاني الفراء 1 / 186 ، الدر المصون 1 / 683 .