عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
497
اللباب في علوم الكتاب
فصل [ في وجوه الآية ] في الآية وجوه : أحدها : أنّ هذا نهي للشّاهد عن الامتناع عن أداء الشّهادة عند احتياج صاحب الحقّ إليها . الثاني : أراد إذا دعوا لتحمل الشّهادة على الإطلاق ، وهو قول قتادة ، واختيار القفّال ، قال كما أمر الكاتب ألّا يأب الكتابة ، كذلك أمر الشّاهد ألّا يأب من تحمل الشّهادة ، لأنّ كلّ واحد منهما يتعلّق بالآخر وفي عدمها ضياع الحقوق ، وسمّاهم شهداء على معنى أنهم يكونون شهداء ، وهو أمر إيجاب عند بعضهم . الثالث : المراد تحمّل الشّهادة إذا لم يوجد غيره ، فهو مخير ، وهو قول الحسن « 1 » الرابع : قال الزّجّاج « 2 » ، وهو مروي عن الحسن أيضا ، وهو قول مجاهد ، وعطاء ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير : المراد مجموع الأمرين التحمّل أولا ، والأداء ثانيا . قال الشعبي : الشّاهد بالخيار ما لم يشهد وقال قوم : هو أمر ندب ، وهو مخيّر في جميع الأحوال . قال القرطبيّ « 3 » : قد يؤخذ من هذه الآية دليل على أنّه يجوز للإمام أن يقيم للنّاس شهودا ، ويجعل لهم من بيت المال كفايتهم ، فلا يكون لهم شغل إلّا تحمل حفظ حقوق النّاس ، وإن لم يكن ذلك ؛ ضاعت الحقوق وبطلت . فصل [ في دلالة هذه الآية على أنّ الشّاهد يمشي إلى الحكم ] قال القرطبيّ « 4 » : دلّت هذه الآية على أنّ الشّاهد يمشي إلى الحكم ، وهذا أمر بني الشّرع عليه ، وعمل به في كلّ مكان وزمان ، وفهمته كلّ أمّة . وإذا ثبت هذا فالعبد خارج عن جملة الشّهداء ، فيخص عموم قوله : « مِنْ رِجالِكُمْ » ؛ لأنّه لا يمكنه أن يجيب ؛ لأنّه لا استقلال له بنفسه ، فلا يصحّ له أن يأتي فانحطّ عن منصب الشّهادة ، كما انحطّ عن منصب الولاية ، وكما انحطّ عن فرض الجمعة وعن الجهاد والحجّ . قوله : « وَلا تَسْئَمُوا » والسّأم والسآمة : الملل من الشّيء والضّجر منه . قوله : « أَنْ تَكْتُبُوهُ » مفعول به إن شئت جعلته مع الفعل مصدرا تقديره : « ولا تسأموا كتابته » ، وإن شئت بنزع الخافض والنّاصب له « تسأموا » ؛ لأنه يتعدّى بنفسه قال : [ الطويل ]
--> ( 1 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 269 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 100 . ( 3 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 357 . ( 4 ) ينظر : المصدر السابق .