عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
496
اللباب في علوم الكتاب
فصل [ في أن لما جعل اللّه تعالى شهادة امرأتين بدل شهادة رجل ؛ وجب أنيكون حكمهما حكمه ] قال القرطبيّ « 1 » : لما جعل اللّه تعالى شهادة امرأتين بدل شهادة رجل ؛ وجب أن يكون حكمهما حكمه ، فكما له أن يحلف مع الشّاهد عندنا ، وعند الشّافعي ، كذلك يجب أن يحلف مع شهادة امرأتين بمطلق هذه العوضيّة ، وخالف في هذا أبو حنيفة ، وأصحابه ، فلم يروا اليمين مع الشّاهد . قالوا : لأنّ اللّه تعالى قسم الشّهادة ، وعددها ، ولم يذكر الشّاهد مع اليمين ، فلا يجوز القضاء به ؛ لأنّه يكون قسما ثالثا على ما قسّمه اللّه ، وهذه زيادة على النّصّ ، فيكون نسخا ، وهذا قول الثّوري ، والأوزاعي والحكم بن عتيبة وطائفة . قال بعضهم : الحكم باليمين مع الشّاهد منسوخ بالقرآن ، وزعم عطاء أنّ أوّل من قضى به عبد الملك بن مروان . وقال الحكم : القضاء باليمين والشّاهد بدعة ، وهو كلّه غلط ، وليس في قوله تعالى : « وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ » الآية ما يرد به قضاء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - باليمين ، والشاهد ؛ ولا أنّه لا يتوصل إلى الحقوق إلّا بما ذكر فيها لا غير ، فإنّ ذلك يبطل بنكول المطلوب ويمين الطّالب ، فإن ذلك يستحقّ به المال إجماعا ، وليس هو في الآية ، مع أنّ الخلفاء الأربعة : قضوا بالشّاهد واليمين ، وقضى به أبيّ بن كعب ، ومعاوية وشريح وعمر بن عبد العزيز ، وكتب به إلى عمّاله ، وإياس بن معاوية ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو الزّناد وربيعة . قال مالك : أترى هؤلاء تنقض أحكامهم ، ويحكم ببدعتهم مع ما روى ابن عباس أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - : قضى بالشّاهد مع اليمين « 2 » . قوله : « وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ » مفعوله محذوف لفهم المعنى ، أي : لا يأبون إقامة الشهادة ، وقيل : المحذوف مجرور لأن « أبي » بمعنى امتنع ، فيتعدّى تعديته أي من إقامة الشهادة . قوله « إذا ما دعوا » ظرف ل « يأب » أي : لا يمتنعون في وقت [ دعوتهم ] لأدائها ، أو لإقامتها ، ويجوز أن تكون [ متمحضة للظرف ، ويجوز أن تكون ] شرطية والجواب محذوف أي : إذا دعوا فلا يأبوا .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 253 . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 5 / 128 ) وأبو داود ( 3608 ) وابن ماجة ( 2370 ) والطحاوي في « شرح معاني الآثار » ( 2 / 280 ) وابن الجارود ( 1006 ) والبيهقي ( 10 / 167 ) والشافعي ( 2 / 140 ) وأحمد ( 1 / 248 ، 315 ، 323 ) من طريق عمرو بن دينار عن ابن عباس به .