عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

492

اللباب في علوم الكتاب

من تأخير . وأجاب ابن الخطيب « 1 » فقال هاهنا غرضان : أحدهما : حصول الإشهاد وهذا لا يتأتّى إلّا بتذكير إحدى المرأتين . والثاني : بيان تفضيل الرّجل على المرأة حتّى يبين أنّ إقامة المرأتين مقام الرّجل الواحد هو العدل في القضيّة ، وذلك لا يتأتى إلّا بضلال إحدى المرأتين « 2 » ، وإذا كان كلّ واحد من هذين أعني الإشهاد ، وبيان فضل الرّجل على المرأة مقصود ، فلا سبيل إلى ذلك إلّا بإضلال أحدهما وتذكر الأخرى ، لا جرم صار هذان الأمران مطلوبين . فصل [ في دليل علي ان أقيمت المرأتان مقام الرّجل الواحد ] لمّا كان النّسيان غالبا على طباع النّساء لكثرة البرد والرّطوبة في أمزجتهنّ ؛ أقيمت المرأتان مقام الرّجل الواحد ؛ لأن اجتماع المرأتين على النّسيان أبعد في العقل من صدور النّسيان عن المرأة الواحدة ؛ لأنّ إحداهما إذا نسيت ؛ ذكّرتها الأخرى ، والمراد بالضّلال هنا النّسيان قال أبو عبيدة : الضلال عن الشّهادة إنّما هو نسيانها . قوله : « فتذكّر » وقرأ ابن كثير « 3 » وأبو عمرو : « فتذكر » بتخفيف الكاف ، ونصب الرّاء من أذكرته أي : جعلته ذاكرا للشّيء بعد نسيانه ، فإنّ المراد بالضّلال هنا النسيان كقوله تعالى : فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ [ الشعراء : 20 ] وقال في ذلك الفرزدق : [ الكامل ] 1284 - ولقد ضللت أباك يدعو دارما * كضلال ملتمس طريق وبار « 4 » فالهمزة في « أذكرته » للنقل والتّعدية ، والفعل قبلها متعدّ لواحد ؛ فلا بدّ من آخر ، وليس في الآية مفعول واحد ، فلا بدّ من اعتقاد حذف الثّاني ، والتقدير فتذكر إحداهما الأخرى الشّهادة بعد نسيانها إن نسيتها هذا مشهور قول المفسّرين . وقد شذّ بعضهم قال : معنى فتذكر إحداهما الأخرى أي : فتجعلها ذكرا ، أي : تصيّر حكمها حكم الذّكر في قبول الشّهادة وروى الأصمعيّ عن أبي عمرو بن العلاء قال : « فتذكّر إحداهما الأخرى بالتّشديد فهو من طريق التّذكير بعد النّسيان ، تقول لها : هل تذكرين إذ شهدنا كذا يوم كذا في مكان كذا على فلان ، أو فلانة ، ومن قرأ « فتذكر » بالتّخفيف فقال : إذا شهدت المرأة ، ثم جاءت الأخرى ؛ فشهدت معها ، فقد أذكرتها لقيامها مقام ذكر » ولم يرتض المفسّرون وأهل اللّسان هذا من أبي عمرو ، بل لم يصحّحوا رواية ذلك عنه لمعرفتهم بمكانته في العلم ، وردّوه على قائله من وجوه :

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 99 . ( 2 ) في ب : الروايتين . ( 3 ) انظر : السبعة 194 ، والحجة 2 / 419 ، والعنوان 76 ، وحجة القراءات 149 - 151 ، وإتحاف 1 / 459 ، وإعراب القراءات 104 ، وشرح شعلة 305 ، وشرح طيبة النشر 4 / 135 . ( 4 ) ينظر : ديوانه 2 / 450 ، الدر المصون 1 / 678 .