عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
491
اللباب في علوم الكتاب
فأدفعه » فليس إعدادك الخشبة ؛ لأن يميل الحائط ، ولا إعدادك السلاح لأن يجيء العدو وإنما للإدغام إذا مال ، وللدفع إذا جاء العدو ، وهذا ممّا يعود إليه المعنى ويهجر فيه جانب اللفظ . وقد ذهب الجرجانيّ في هذه الآية الكريمة إلى أنّ التقدير : مخافة أن تضلّ ؛ وأنشد قول عمرو : [ الوافر ] 1283 - . . . * فعجّلنا القرى أن تشتمونا « 1 » أي : « مخافة أن تشتمونا » وهذا صحيح لو اقتصر عليه من غير أن يعطف عليه قوله « فتذكّر » ؛ لأنه كان التّقدير : فاستشهدوا رجلا وامرأتين ، مخافة أن تضلّ إحداهما ، ولكنّ عطف قوله : « فتذكّر » يفسده ، إذا يصير التقدير : مخافة أن تذكّر إحداهما الأخرى ، [ وإذكار إحداهما الأخرى ] ليس مخوفا منه ، بل هو المقصود ، وقال أبو جعفر « 2 » : « سمعت عليّ بن سليمان يحكي عن أبي العباس أنّ التقدير كراهة أن تضلّ » قال أبو جعفر رحمه اللّه تعالى : « وهو غلط إذ يصير المعنى : كراهة أن تذكّر إحداهما الأخرى » . وذهب الفرّاء « 3 » إلى أن تقدير الآية الكريمة : « كي تذكّر إحداهما الأخرى إن ضلّت » ، فلمّا قدّم الجزاء اتّصل بما قبله ففتحت « أن » ، قال : ومثله من الكلام : « إنه ليعجبني أن يسأل السّائل فيعطى » معناه : إنه ليعجبني أن يعطى السّائل إن سأل ؛ لأنّه إنما يعجب الإعطاء لا السؤال ، فلمّا قدّموا السّؤال على العطيّة أصحبوه أن المفتوحة لينكشف المعنى ، فعنده « أن » في « أن تضلّ » للجزاء ، إلّا أنّه قدّم وفتح ، وأصله التأخير . وردّ البصريّون هذا القول أبلغ ردّ . قال الزّجّاج « 4 » : « لست أدري لم صار الجزاء [ إذا تقدّم ] وهو في مكانه وغير مكانه يوجب فتح أن » . وقال الفارسيّ : ما ذكره الفرّاء دعوى لا دلالة عليها ، والقياس يفسدها ، ألا ترى أنّا نجد الحرف العامل ، إذا تغيّرت حركته ؛ لم يوجب ذلك تغيّرا في عمله ولا معناه ، كما روى أبو الحسن « 5 » من فتح اللام الجارّة مع المظهر عن يونس ، وأبي عبيدة ، وخلف الأحمر ، فكما أنّ هذه اللام لمّا فتحت لم يتغيّر من عملها ومعناها شيء ، كذلك : « إن » الجزائيّة ينبغي ، إذا فتحت ألّا يتغيّر عملها ولا معناها ، وممّا يبعده أيضا أنّا نجد الحرف العامل لا يتغيّر عمله بالتقديم و [ لا ] بالتأخير ، تقول « مررت بزيد » وتقول : « بزيد مررت » فلم يتغيّر عمل الباء بتقديمها
--> ( 1 ) هو ابن كلثوم . وصدره : نزلتم منزل الأضياف منا ينظر : شرح القصائد العشر ( 423 ) الشنقيطي ( 100 ) ، المفصل لابن يعيش 8 / 115 ، الدر المصون 1 / 677 . ( 2 ) ينظر : إعراب القرآن للنحاس 1 / 299 . ( 3 ) ينظر : معاني القرآن للفراء 1 / 184 . ( 4 ) ينظر : معاني القرآن للزجاج 1 / 364 . ( 5 ) ينظر : معاني القرآن للأخفش 1 / 123 .