عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
484
اللباب في علوم الكتاب
أي : وليملل الديّان الكاتب ما عليه من الحقّ ، فحذف المفعولين للعلم بهما . ويتعدّى ب « على » إلى أحدهما فيقال : أمللت عليه كذا ، ومنه الآية الكريمة . فصل [ في الكتابة ] اعلم أنّ الكتابة ، وإن وجب أن يختار لها العالم بكيفية كتب الشّروط والسّجلات ، لكن ذلك لا يتمّ إلّا بإملاء من عليه الحق ؛ فيدخل في جملة إملائه اعترافه بالحقّ في قدره ، وجنسه وصفته ، وأجله ، وغير ذلك . ثم قال : « وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ » بأن يقرّ بمبلغ المال ، « ولا يبخس منه شيئا » ، أي : لا ينقص منه شيئا . قوله : « وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ » يجوز في « منه » وجهان : أحدهما : أن يكون متعلقا بيبخس ، و « من » لابتداء الغاية ، والضمير في « منه » للحقّ . والثاني : أنّها متعلقة بمحذوف ؛ لأنها في الأصل صفة للنكرة ، فلمّا قدّمت على النكرة نصبت حالا . و « شيئا » : إمّا مفعول به ، وإمّا مصدر . والبخس : النّقص ، يقال منه : بخس زيد عمرا حقّه يبخسه بخسا ، وأصله من : بخست عينه ، فاستعير منه بخس الحق ، كما قالوا : « عورت حقّه » استعارة من عور العين . ويقال : بخصه بالصّاد . والتباخس في البيع : التناقص ، لأنّ كلّ واحد من المتبايعين ينقص الآخر حقّه . قوله : « فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ » إدخال حرف « أو » بين هذه الألفاظ الثلاثة يقتضي تغايرها ؛ لأنّ معناه : أنّ الذي عليه الحقّ كان متّصفا بإحدى هذه الصّفات الثلاثة « فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ » وإذا ثبت تغايرها وجب حمل السّفيه على الضعيف الرّأي النّاقص العقل من البالغين الذين لا يحسنون الأخذ لأنفسهم ، ولا الإعطاء منها أخذا من الثّوب السّفيه وهو خفيف النّسج ، والبذيء اللسان يسمى سفيها ، لأنّه لا يكاد أن تتفق البذاءة إلّا في جهّال النّاس ، وأصحاب العقول الخفيفة ، والعرب تسمي الضعيف العقل سفيها ؛ قال الشاعر : [ السريع ] 1280 - نخاف أن تسفه أحلامنا * ويجهل الدّهر مع الحالم « 1 » والضّعيف على الصّغير ، والمجنون ، والشّيخ الخرف وهم الذين فقدوا العقل
--> ( 1 ) ينظر : القرطبي 3 / 249 .