عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

470

اللباب في علوم الكتاب

وإذا تقرّر هذا ، فقد خطّأ النحويون مجاهدا ، وعطاء في قراءتهما : « إلى ميسره » بإضافة « ميسر » مضموم السين إلى ضمير الغريم ؛ لأنهم بنوه على أنه ليس في الآحاد مفعل ، ولا ينبغي أن يكون هذا خطأ ؛ لأنه على تقدير تسليم أنّ مفعلا ليس في الآحاد ، فميسر هنا ليس واحدا ، إنما هو جمع ميسرة ، كما قلتم أنتم : إنّ مكرما جمع مكرمة ، ونحوه ، أو يكون قد حذف تاء التأنيث للإضافة ؛ كقوله : [ البسيط ] 1276 - إنّ الخليط أجدّوا البين فانجردوا * وأخلفوك عد الأمر الّذي وعدوا « 1 » أي : عدة الأمر ؛ ويدلّ على ذلك أنهم نقلوا عنهما ، أنهما قرآ أيضا : « إلى ميسره » بفتح السين ، مضافا لضمير الغريم ، وهذه القراءة نصّ فيما ذكرته لك من حذف تاء التأنيث للإضافة ؛ لتوافق قراءة العامّة : « إلى ميسرة » بتاء التأنيث . وقد خرّجها أبو البقاء « 2 » على وجه آخر ، وهو أن يكون الأصل : « ميسوره » فخفّف بحذف الواو ؛ اكتفاء بدلالة الضمة عليها ، وقد يتأيّد ما ذكره على ضعفه ، بقراءة عبد اللّه ، فإنه قرأ : إلى « ميسورة » بإضافة « ميسور » للضمير ، وهو مصدر على مفعول ؛ كالمجلود والمعقول ، وهذا إنما يتمشّى على رأي الأخفش ؛ إذ أثبت من المصادر زنة مفعول ، ولم يثبته سيبويه . « والميسرة » : مفعلة من اليسر ، واليسار الذي هو ضدّ الإعسار ، وهو تيسر الموجود من المال ومنه يقال أيسر الرجل ، فهو موسر ، أي : صار إلى حالة وجود المال فالميسرة ، واليسر ، والميسور : الغنى . فصل في سبب نزول « وإن كان ذو عسرة » لما نزل قوله : « وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ » قال بنو عمرو الثّقفي : بل نتوب إلى اللّه ، فإنه لا طاقة لنا بحرب اللّه ورسوله ، فرضوا برأس المال ، فشكى بنو المغيرة العسرة ، وقالوا : أخّرونا إلى أن تدرك الغلّات ، فأبوا أن يؤخروا ؛ فأنزل اللّه تعالى : « وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ » يعني وإن كان الذي عليه الدّين معسرا ، « فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ » ، يعني : أنظروه إلى اليسار ، والسّعة . فصل في بيان حكم الإنظار اختلفوا في حكم الإنظار : هل هو مختصّ بالربا ، أو عامّ في كل دين ؟ فقال ابن عباس ، وشريح ، والضحاك ، والسدي ، وإبراهيم : الآية في الربا ، وذكر عن شريح أنّه أمر

--> ( 1 ) البيت للفضل بن العباس : ينظر الخصائص 3 / 171 ، والتصريح 2 / 396 ، والأشموني 2 / 237 ، وأوضح المسالك 3 / 346 ، الدر المصون 1 / 670 . ( 2 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 117 .