عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
471
اللباب في علوم الكتاب
بحبس الخصم ، فقيل له : إنه معسر ، فقال شريح إنما ذلك في الربا ، واللّه تعالى قال في كتابه العزيز إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [ النساء : 58 ] . وقال جماعة منهم مجاهد : إنها عامّة في كل دين « 1 » ؛ لعموم قوله تعالى : « ذُو عُسْرَةٍ » ولم يقل ذا عسرة . فصل [ في معني الاعسار ] والإعسار : هو ألّا يجد في ملكه ما يؤدّيه بعينه ، ولا يكون له ما لو باعه ، لأمكنه أداء الدّين من ثمنه خارجا عن مسكنه وثيابه ، ولا يجوز أن يحبس من لم يجد إلّا قوت يوم لنفسه وعياله ، وما لا بدّ لهم من كسوة لصلاتهم ودفع البرد والحرّ عنهم . واختلفوا : إذا كان قويّا ، هل يلزمه أن يؤاجر نفسه من صاحب الدّين ، أو غيره ؟ فقال بعضهم : يلزمه ذلك ، كما يلزمه إذا احتاج لنفسه ، أو لعياله . وقال بعضهم : لا يلزمه ذلك ، واختلفوا أيضا إذا بذل للمعسر ما يؤدّي به الدّين ، هل يلزمه قبوله والأداء ، أو لا يلزمه ؟ فأما من له بضاعة كسدت عليه فواجب عليه أن يبيعها بالنقصان إن لم يكن إلّا ذلك ، ويؤدّيه في الدّين . فصل في تحريم حبس المعسر إذا علم الإنسان أنّ غريمة معسر - حرم عليه حبسه ، وأن يطالبه بما له عليه ووجب عليه إنظاره إلى يساره ، فإن ارتاب في إعساره ، جاز له حبسه إلى أن يظهر إعساره ، فإذا ادّعى الإعسار وكذّبه الغريم ، فإن كان الدّين عن عوض ، كالبيع ، والقرض ، فلا بدّ له من إقامة البيّنة على أنّ ذلك العوض قد هلك ، وإن كان الدّين عن غير عوض كالإتلاف ، والصّداق ، والضّمان ؛ فالقول قول المعسر ؛ لأن الأصل الفقر وعلى الغريم إقامة البينة . فصل [ في أن هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيعمن أعسر ] قال المهدويّ « 2 » : قال بعض العلماء : هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر . قال القرطبيّ « 3 » : وحكى مكيّ : أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - أمر به في صدر الإسلام . قال ابن عطية : فإن ثبت فعل النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فهو نسخ ، وإلّا فليس بنسخ . قال الطّحاوي « 4 » : كان الحرّ يباع في الدّين أول الإسلام ، إذا لم يكن له مال يقضيه عن نفسه ؛ حتى نسخ اللّه ذلك بقوله : « وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ » .
--> ( 1 ) ينظر تفسير الفخر الرازي 7 / 90 . ( 2 ) ينظر تفسير القرطبي 3 / 240 . ( 3 ) ينظر المصدر السابق . ( 4 ) ينظر المصدر السابق .