عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

458

اللباب في علوم الكتاب

أما في الدنيا : فمن وجوه : أحدها : أن من كان للّه كان اللّه له ، فإذا كان الإنسان يحسن إلى عبيد اللّه ، فاللّه تعالى لا يتركه ضائعا ، ولا جائعا في الدنيا ، وقد ورد في الحديث أنّ ملكا ينادي كلّ يوم : « اللّهمّ يسّر لكلّ منفق خلفا ، ولكل ممسك تلفا » « 1 » . وثانيها : أنه يزداد كلّ يوم في جاهه ، وذكره الجميل ، وميل القلوب إليه . وثالثها : أن الفقراء يعينونه بالدعاء الخالص من قلوبهم . ورابعها : أنّ الأطماع تنقطع عنه ، فإنه متى اشتهر بإصلاح مهمّات الفقراء ، والضعفاء ؛ فكلّ أحد يحترز عن منازعته ، وكلّ ظالم ، وطمّاع يتخوف من التعرض إليه ، اللهم إلّا نادرا ، فهذا هو المراد بإرباء الصدقات في الدّنيا . وأما إرباؤها في الآخرة ، فروى أبو هريرة قال : قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « إنّ اللّه تعالى يقبل الصّدقات ولا يقبل منها إلّا الطّيّب ويأخذها بيمينه فيربّيها كما يربّي أحدكم مهره أو فلوّه حتى إنّ اللقمة تصير مثل أحد » « 2 » وتصديق ذلك بيّن في كتاب اللّه تعالى أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ [ التوبة : 104 ] . وقال ابن الخطيب « 3 » : ونظير قوله : « يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا » المثل الذي ضربه فيما تقدم بصفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا ونظير قوله : « وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ » المثل الذي ضربه اللّه بحبة أنبتت سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبّة . قوله : « وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ » اعلم أن الكفّار فعّال من الكفر ، ومعناه : أن ذلك عادته ، والعرب تسمي المقيم على الشيء بهذا فتقول : فلان فعّال للخير أمّار به و « الأثيم » فعيل بمعنى فاعل ، وهو الآثم ، وهو - أيضا - مبالغة في الاستمرار على اكتساب الإثم والتمادي فيه ، وذلك لا يليق إلّا بمن ينكر تحريم الربا ، فيكون جاحدا . وفيه وجه آخر وهو أن يكون « الكفّار » راجعا إلى المستحلّ « والأثيم » يكون راجعا إلى من يفعله مع اعتقاد التحريم ؛ فتكون الآية الكريمة جامعة للفريقين . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 277 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 277 )

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 3 / 357 ) كتاب الزكاة : باب اللهم أعط منفقا خلفا ، حديث ( 1442 ) من حديث أبي هريرة . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 2 / 471 ) والطبراني في « الصغير » ( 1 / 119 ) والبغوي في « شرح السنة » ( 6 / 130 ) وابن عدي في « الكامل » ( 4 / 1646 ) عن أبي هريرة . وأخرجه الطبراني في « الأوسط » كما في المجمع ( 3 / 114 ) عن عائشة وقال الهيثمي : ورجاله رجال الصحيح . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 84 .