عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

459

اللباب في علوم الكتاب

اعلم أنّ من عادته تعالى في القرآن الكريم مهما ذكر وعيدا ، ذكر بعده وعدا فلما بلغ هاهنا في وعيد المرابي ، أتبعه بهذا الوعد ، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية . واحتجّ من قال بأن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان بهذه الآية ، فإنه عطف عمل الصالحات على الإيمان ؛ والمعطوف يغاير المعطوف عليه . وأجيب عنه بأنه قال : « وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ » ولا نزاع في أن إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، داخلان تحت عمل الصالحات ، فكذا ما ذكرتم ، وأيضا قال تبارك وتعالى الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ النحل : 88 ] وقال : وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا [ البقرة : 39 ] ويمكن أن يجاب بأن الأصل حمل كل لفظة على فائدة جديدة ، ترك العمل به عند التّعذر ، فيبقى في غير موضع التعذر على الأصل . فإن قيل إنّ الإنسان إذا بلغ عارفا باللّه تعالى وقبل وجوب الصلاة والزكاة عليه ، ثم مات ، فهو من أهل الثواب بالاتفاق ، فدلّ على أن استحقاق الثواب لا يتوقّف على حصول العمل . وأيضا فقد يثيب اللّه تعالى المؤمن الفاسق الخالي عن جميع الأعمال ، وإذا كان كذلك فكيف وقف اللّه هاهنا حصول الأجر على حصول العمل ؟ فالجواب : أنه تبارك وتعالى إنما ذكر هذه الخصال ؛ لا لأجل أنّ استحقاق الثواب مشروط بهذا ، بل لأجل أنّ لكل واحد منهما أثرا في جلب الثواب ، كما قال في ضدّ هذا وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [ الفرقان : 68 ] ثم قال : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً [ الفرقان : 68 ] ومعلوم أنّ من ادعى مع اللّه إلها آخر لا يحتاج في استحقاقه العذاب إلى عمل آخر ، وإنما جمع اللّه الزّنا ، وقتل النّفس ، مع دعاء غير اللّه إلها ؛ لبيان أنّ كل واحد من هذه الخصال يوجب العقوبة . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 278 إلى 279 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 278 ) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ( 279 ) اعلم أنه تعالى لمّا بيّن في الآية المتقدمة أنّ من انتهى عن الربا ، فله ما سلف ؛ فقد يظنّ أنه لا فرق بين المقبوض منه ، وبين الباقي في ذمّة الغريم ، فبين في هذه الآية الكريمة بقوله « وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا » أي : الذي لم يقبض فالزيادة حرام ، وليس لهم أن يأخذوا إلّا رؤوس أموالهم ، فقال : « اتَّقُوا اللَّهَ » والاتقاء إنما يكون باتقاء ما نهى عنه ، « وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا » يعني : إن كنتم قد قبضتم منه شيئا ، فيعفو عنه ، وإن لم تقبضوه أو لم تقبضوا بعضه ، فالذي لم يقبض حرام قبضه ، وهذه الآية دليل على أحكام الكفّار إذا أسلموا ؛ لأن ما مضى في زمن الكفر ، فإنه لا ينقض ، ولا يفسخ ، وما لم يوجد منه