عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

436

اللباب في علوم الكتاب

المحسبة ، أي : إنه لا يظهر لهم سؤال ، بل هو قليل ، فالجاهل بهم مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عنه ، ف « من » لبيان الجنس على هذا التأويل . قال أبو حيّان : « وليس ما قاله من أنّ « من » هذه في هذا المعنى وهو أن تتقدّر « من » بموصول ، وما دخلت عليه يجعل خبر مبتدأ محذوف ؛ كقوله تعالى : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [ الحج : 30 ] يصح أن يقال : الذي هو الأوثان ، ولو قلت هنا : « يحسبهم الجاهل أغنياء الّذي هو التّعفف » لم يصحّ هذا التقدير ، وكأنه سمّى الجهة التي هم أغنياء بها بيان الجنس ، أي : بيّنت بأيّ جنس وقع غناهم ، أي : غناهم بالتعفف لا غنى بالمال ، فسمّى « من » الداخلة على ما يبيّن جهة الغنى ببيان الجنس ، وليس المصطلح عليه كما قدّمناه ، وهذا المعنى يؤول إلى أنّ « من » سببية ، لكنها تتعلق بأغنياء ، لا بيحسبهم » . انتهى . وتتعلّق « من » على الوجهين الأولين بيحسبهم . قال أبو البقاء « 1 » رحمه اللّه : « ولا يجوز أن تتعلّق بمعنى « أغنياء » ؛ لأنّ المعنى يصير إلى ضد المقصود ، وذلك أنّ معنى الآية : أنّ حالهم يخفى على الجاهل بهم ؛ فيظنّهم أغنياء ، ولو علّقت بأغنياء ، صار المعنى : أنّ الجاهل يظنّ أنهم أغنياء ، ولكن بالتعفف ، والغنيّ بالتعفف فقير من المال » . انتهى ، وما قاله أبو البقاء يحتمل بحثا . وأما على الوجه الثالث - وهو كونه لبيان الجنس - فقد صرّح أبو حيان بتعلّقها بأغنياء ؛ لأن المعنى يعود إليه ، ولا يجوز تعلّقها في هذا الوجه بالحسبان ، وعلى الجملة : فكونها لبيان [ الجنس ، قلق المعنى ] . والتعفّف : تفعّل من العفّة ، وهو ترك الشيء ، والإعراض عنه ، مع القدرة على تعاطيه ؛ قال رؤبة : [ الرجز ] 1241 - فعفّ عن أسرارها بعد الغسق * ولم يدعها بعد فرك وعشق « 2 » وقال عنترة : [ الكامل ] 1242 - يخبرك من شهد الوقيعة أنّني * أغشى الوغى وأعفّ عند المغنم « 3 » ومنه : « عفيف الإزار » كناية على حصانته ، وعرّف التعفف ، لأنه سبق منهم مرارا فصار كالمعهود ، ومتعلّق التعفف ، محذوف ؛ اختصارا ، أي : عن السؤال ، والأحسن ألّا يقدّر .

--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 116 . ( 2 ) ينظر : ديوانه ( 104 ) ، البحر 2 / 329 ، الدر المصون 1 / 656 . ( 3 ) البيت من معلقته : ينظر ديوانه ( 209 ) ، شرح القصائد العشر ( 362 ) ، الشنقيطي ( 116 ) ، الدر المصون ( 1 / 656 ) .