عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
437
اللباب في علوم الكتاب
الصفة الرابعة : قوله : « تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ » السّيما : العلامة بالقصر ويجوز مدّها ، وإذا مدّت ، فالهمزة فيها منقلبة عن حرف زائد ، للإلحاق : إمّا واو ، وإمّا ياء ، فهي كعلباء ملحقة بسرداح ، فالهمزة فيه للإلحاق ، لا للتأنيث ؛ وهي منصرفة لذلك . و « سيما » مقلوبة ، قدّمت عينها على فائها ؛ لأنها مشتقة من الوسم فهي بمعنى السّمة ، أي : العلامة ، فلما وقعت الواو بعد كسرة قلبت ياء ، فوزن سيما : عفلا ، كما يقال اضمحلّ ، وامضحلّ ، [ و ] « وخيمة » ، و « خامة » ، وله جاه ، ووجه ، أي : وجاهة . وفي الآية الكريمة طباق في موضعين : أحدهما : « أحصروا » مع قوله : « ضَرْباً فِي الْأَرْضِ » . والثاني : قوله تعالى : « أغنياء » ، مع قوله : « للفقراء » نحو : « أَضْحَكَ وَأَبْكى » و « أَماتَ وَأَحْيا » . ويقال « سيميا » بياء بعد الميم ، وتمدّ كالكيمياء ؛ وأنشد : [ الطويل ] 1243 - غلام رماه اللّه بالحسن يافعا * له سيمياء لا تشقّ على البصر « 1 » والباء تتعلّق ب « تعرفهم » ومعناها السببية ، أي : إنّ سبب معرفتك إياهم هي سيماهم . والسّيما : العلامة ، وقال قوم : السّيما : الارتفاع ، لأنّها علامة وضعت للظّهور . فصل [ في أن هذه الآية تدلّ على أن للسّيما أثر في اعتبار من يظهر عليه ذلك ] قال القرطبيّ « 2 » : هذه الآية تدلّ على أن للسّيما أثر في اعتبار من يظهر عليه ذلك ، حتى إذا رأينا ميتا في دار الإسلام ، وعليه زنّار ، وهو غير مختون ؛ لا يدفن في مقابر المسلمين ، ويقدّم ذلك على حكم الدار ؛ في قول أكثر العلماء ، ومنه قوله تعالى : « وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ » فدلّت هذه الآية على جواز صرف الصدقة إلى من له ثياب ، وكسوة وزيّ في التجمل . فصل في تفسير « السّيما » قال مجاهد : هو التخشع ، والتواضع « 3 » . وقال الربيع ، والسديّ : أثر الجهد من الفقر ، والحاجة « 4 » . وقال الضحاك : صفرة ألوانهم من الجوع « 5 » ، والضر .
--> ( 1 ) البيت لابن عنقاء الفزاري ، ينظر أمالي القالي 1 / 237 ، الطبري 5 / 595 ، الدر المصون 1 / 657 . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 221 . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 596 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 634 ) وزاد نسبته لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد . ( 4 ) ذكره الرازي في « التفسير الكبير » ( 7 / 71 ) . ( 5 ) انظر : المصدر السابق .